Sunday, April 3, 2016

كيف تهزم العائق الإبداعي؟




كيف تهزم العائق الإبداعي؟
بقلم: ماريا كونيكوفا
مجلة نيويوركر



How to Beat Writer’s Block?
By: Maria Konnikova
New Yorker


عام 1920 , غراهام غرين , البالغ حينها من العمر ستة عشر عاماً , وبعد 104 أسابيع من الإذلال والمعاناة العقلية , قرر الهرب من المدرسة الداخلية التي يديرها والده. ترك وراءه ملاحظة يعلم بها والديه قراره الهرب من المدرسة والتخلي عن الدراسة. لكن سرعان ما عثروا عليه تائهاً في أرضٍ مهملة قريبة من المدرسة. لشدة قلقهما عليه , قرر والداه إيقافه مؤقتاً عن الدراسة وإخضاعه لعلاجٍ نفسيٍ مكثف. وشكّلت فترة الستة أشهر التي قضاها في العلاج نقطة تحوّلٍ محورية في حياة الروائي البريطاني غراهام غرين.
من جهة هو تخلص من عبء الضغط العصبي الذي تعرض له في المدرسة , ومن جهة أخرى اكتسب أداة تعلمها من العلاج النفسي وستساعده دائماً على تحويل مسار الضغط العصبي من الإجهاد إلى الإنتاج أثناء عملية الكتابة الإبداعية: تلك الأداة هي تدوين أحلامه.
من يعرف الروائي البريطاني غراهام غرين وما تميز به من غزارة في انتاجه الأدبي سيستغرب حتماً من حقيقة أن غرين أيضاً عانى من العائق الإبداعي. وقد مر بتلك التجربة في الخمسينات من عمره حيث عجز عن رؤية تطور أحداث روايته , وأحياناً كان يعجز حتى عن رؤية بدايتها. وفي تلك الأوقات الصعبة أثبتت مذكرة أحلامه أنها حبل النجاة الذي ساعده على تجاوز العائق أمامه.
فبالنسبة لغرين , تدوين الأحلام هو نوعٌ خاص من الكتابة الإبداعية: " فلا أحد اطّلع على حلمك سواك , لا أحد يملك رفع قضية ضدك لوجوده في أحلامك , ولا أحد سيدقق على منطقية الأحداث. لهذا كله فأنت حين تدون أحلامك , تمارس الكتابة الإبداعية متحرراً من كل القيود عليك".
*****
في اللحظة التي خُلِقت فيها الكتابة , خُلِقَ معها العائق الإبداعي. لكن المصطلح المعروف حالياً 
Writer’s block
فقد ظهر في الأربعينيات من القرن الماضي , وأول من أطلقه هو الطبيب النفسي إدموند برغلر   ( Edmund Bergler) . فعلى مدار عقدين من الزمن درس برغلر حالات عديدة لكتّاب ممن يعانون من " عوائق عصبية تحول دون الكتابة " . وقد نتج عن تلك تلك الدراسة تحليله لمصدر العائق وكيفية علاجه.
النتيجة التي وصل إليها تعتمد أولاً على دحض النظريات القائمة حينها:
- استنزاف الكاتب لقصصه
عدم وجود دافع حقيقي ( تعتمد هذه النظرية أن الكاتب متى ما دفع الإيجار فلن يشعر بالضغط المالي المطلوب له ليواظب على الكتابة ) 
-انعدام الموهبة
- الكسل والملل

النظرية التي استنتجها برغلر من دراسته هي أنَّ الكاتب "محلَل نفسي " . فالكاتب لا شعورياً يحاول حل مشاكله النفسية عبر الكتابة. وعليه فالكاتب العاجز هو عاجز نفسياً , والحل لمشكلته هو إخضاعه للعلاج النفسي.
فمتى ما أزال الكاتب العائق النفسي الذي يحول بينه وبين التواصل مع وعيه , حينها تحل المشكلة.

نظرية برغلر نالها نصيبها من التشكيك وذلك لاتساع نطاق نظريته. لكن فريقاً من عالِمَيْ نفس في جامعة ييل : جيروم سينغر ومايكل باريوس ( Jerome Singer ,Michael Barrios) اعتنقا النظرية كأساس لتجربتهما الدراسية في السبيعينات والثمانينات لتحديد بصورة أدق ماهية العائق النفسي وكيفية علاجه.

تم اختيار مجموعة متنوعة من الكتاب ينتمون إلى مختلف مجالات الكتابة الإبداعية ( الخيالي , الواقعي , الشعر , المسرح والسينما ) . بعضهم يعاني من العائق الإبداعي والبعض الآخر يسير إنتاجه جيداً. 
تابع العالمان التطور الانتاجي للمجموعة على مدار شهر , وبعد إخضاعهم لما يقارب ستين اختباراً نفسياً وإجراء مقابلات شخصية , أشارت النتائج الأولية إلى الأمر البديهي:
الكاتب العاجز هو كاتب غير سعيد. 
عوارض الاكتئاب والقلق المرضي ونقد الذات والخجل من النص وضعف الحماس لمشاركته ونشره كانت قوية لدى المجموعة التي تواجه العائق الإبداعي.
عانت المجموعة كذلك من عوارض الوسواس القهري: التكرار , الشك , التأجيل والمماطلة , السعي نحو المثالية. كذلك اظهرت المجموعة عوارض يأس وتجنب العزلة ( وهو أمر مستغرب بما أن العزلة ضرورية للكتابة).
 وليس كل الكتاب العاجزن هم متساوون في اكتئابهم. فهناك أربع مجموعات أساسية يمكن تصنيف الكاتب العاجز وفقاً لها:

المجموعة الأولى - المتوترة:
 هي المجموعة التي يسيطر عليها القلق والتوتر. فالعائق الحقيقي بالنسبة لهم هو التوتر العاطفي الكبير الذي يصاحب عملية الكتابة ويحرمهم من تذوق لذتها. وقد عبّر الكتاب في هذه المجموعة عن افتقادهم لدافع حقيقي للكتابة نتيجة ما يعرضون أنفسهم له من قدر كبير من الشك والنقد الذاتي. فلا نص ينتجه أحدهم يعتبره جيداً كفاية. ورغم عجزهم عن الكتابة , فقدرتهم على التخيل ممتازة.

المجموعة الثانية العدائية:
هي المجموعة التي تعبر عن تعاستها في نوبات الغضب واستفزاز الآخرين. وافتقاد أفراد المجموعة لدافع الكتابة يعود إلى عدم رغبتهم بمقارنة أعمالهم بأعمال الآخرين. ليس من باب الخوف من النقد وحسب, بل بعضهم يخشى على نفسه من "الحسد" إن عرض عمله. القدرة على التخيل لدى تلك المجموعة ممتازة لكنها منصبة على تصور علاقاتهم مع الآخرين.

المجموعة الثالثة اللا مبالية:
تعاني هذه المجموعة حقاً من عجزها عن التخيل, فحتى أحلام اليقظة لا تروادهم. تنقصهم الأصالة في العمل , ودائماً ما يتذمرون من "القيود والقواعد " التي تحد من إبداعهم.

المجموعة الرابعة السلبية:
تصف  المجموعة مشاعرها بالغضب والعداء وخيبة الأمل. تلك المجموعة تسعى لإيجاد دافع خارجي للكتابة يؤدي إلى تلبية احتياجهم إلى لفت الانتباه ونيل الاهتمام والحصول على المكافأة. وتتصف تلك المجموعة أساساً بالنرجسية , وتلك النرجسية هي التي تشكل هويتهم ككتاب. نرجسيتهم هي التي تعوقهم عن الكتابة وتصل بهم إلى حد عدم رغبتهم في مشاركة أعمالهم وتخيلاتهم مع أحد وتفضيل الاحتفاظ بها لأنفسهم.  

بناءً على تلك الدراسة وجد العالمان باريوس وسينجر أن نظرية برجلز كانت خطوة في الاتجاه الصحيح والعائق الإبداعي في جوهره هو عائق نفسي. وبناءً عليه يكمن الحل في توفير العلاج النفسي المناسب لنوع العائق الإبداعي.
لكن لم يكتف العالمان بنتائج تلك الدراسة , إذ أرادا بحث جانب آخر للعائق الإبداعي عدا الجانب النفسي ألا وهو قياس قدرة ووضوح التخيل العقلي لدى أفراد المجموعة.
*****

اقترح العالمان كأسلوب علاج التركيز على تمارين التخيل العقلي. وتم اختيار مجموعة من الكتاب ينتمون للمجموعات النفسية الأربع. وطُلِب منهم الخضوع لبروتوكول تمارين يهدف إلى مساعدتهم على إنتاج صور عقلية ملونة.
يبدأ التمرين مع جلوس الكاتب في غرفة معتمة هادئة , ويطلب منهم تخيل صورة معينة (مثال : مشهد من الطبيعة , مقطوعة موسيقية ) يتأملها في خياله من ثم يدون تفاصيل رؤيته دون وضع أي اعتبار لمنطقية الأحداث أو أي قيود أخرى , تماماً كأنما يدون "حلماً" رآه في المنام. وكل كاتب كان عليه أن يمارس التمرين عشر مرات.
وبعد استمرار التجربة لمدة أسبوعين , لاحظ العالمان نتائج ملموسة وتحسناً ملحوظاً لدى الكُتّاب المشاركين في التمرين. لم ينه التمرين مشكلة العائق الإبداعي لدى الكتاب لكنه أثبت للمشاركين حقيقة امتلاكهم لملكة الإبداع والكتابة , مما زاد من ثقتهم بأنفسهم وحفّز من حماسهم للكتابة.

واستنتج العالمان باريوس وسينجر أن برغلز , وإن كان محقّاً في في الجانب النفسي للعائق , إلا أن هناك جانباً آخر لم يتعرض له  ألا وهو الممارسة. فالتمارين ساعدت الكاتب على تنشيط ملكته الخيالية والكتابية. وهذه النتيجة يدعمها عالم النفس د.سكوت باري كوفكان (  Scott Barry Kaufman ) - محرر كتاب " علم نفس الكتابة الإبداعية " ( The Psychology of Creative Writing  - إذ يؤكد :
" كلما اصطدم الكاتب بعائق إبداعي , عليه أن يواصل الكتابة , كتابة أي  شيءٍ كان سواءً كانت أفكار , خواطر أو معلومات عامة. كل ما عليه أن يفعل هو أن يكتب."
ويؤكد كوفمان أن على الكاتب أن يدرك حقيقة أن الكتابة هي ممارسة طويلة الأمد تمر بمراحل عديدة من التجربة والخطأ , وحتماً سيصادف في عمله أياماً جيدة وأخرى سيئة. وإذا ما أدرك الكاتب تلك الحقيقة فسيتمكن من تجاوز العائق الإبداعي. 
" على الكاتب أن يؤمن بعملية الكتابة , أن يعيَ حقيقة أنَّ الإبداع يتطلب صبراً , ويقوم على تقاطع عوامل وظروف عديدة من حوله. فكل المبدعون مرّوا بسلسلة طويلة من التجارب والأخطاء , ومعظمهم لم يدرك أين سينتهي المطاف بعمله إلا حين وصل نقطة النهاية."
*****
في النهاية على الكاتب أن يتحرّر من سلطة الانتقاد الخارجي والذاتي , ويواصل الكتابة حتى وإن كانت الكتابة هي تدوين أحلامه.
في كتاب غراهام غرين " عالمٌ من صنعي "A World of My Own) والذي نشر فيه مختارات من أحلامه التي دونها في مذكراته , يروي للقارئ الحلم التالي:

كنتُ أكتب نصّاً لأشارك به في مسابقةٍ شعرية , فكتبت بيتاً نصه:
Beauty makes a crime noble    
( الجمال يخلق من الجريمة فعلاً نبيلاً )

وحينها قاطعني نقدٌ من ت.اس.إليوت الواقف خلفي : ما الذي تعنيه؟ كيف للجريمة أن تضحو فعلاً نبيلاً ؟ ما استرعى انتباهي حين التفتُّ إلى إليوت هو شاربه. (في الواقع إليوت لا شارب له )

في الحياة الحقيقة , نقدٌ كهذا من شاعر عظيم كإليوت سيدفع بأي كاتب إلى الشك في قدراته. لكن في عالم الأحلام , فرؤية شاعرٍ عظيم والاستماع لنقده له تأثير إيجابي. فقد يتحول الحلم إلى أساس قصة قصيرة أو رواية أو مسرحية. أو على الأقل ستذكر الكاتب أنه لا يزال قادراً على خلق أمور رائعة وجديدة في خياله حتى وإن بدت سخيفة.

****
رابط المقال الأصلي باللغة الانجليزية: How to Beat Writer's Block

insta: @alif_alyasmeen
eman_assad@hotmail.com