“هو روى قصته بلغته. لهذا سأفعل أنا تماماً ما فعله غيري في الجزائر بعد الاستقلال حين جردوا بيوت المستعمرين من أحجارها حجراً حجراً ثم أعادوا منها بناء بيوتهم. نعم .. نعم هكذا سأفعل. سأستولي على لغته وكلماته وتعابيره وأبني منها لغتي أنا.”
الاقتباس أعلاه يعود لهارون الشخصية الأساسية في رواية “ مورسو : التحقيق المضاد “ للروائي الجزائري كامل داوود. لمن قرأ رواية الغريب للفرنسي ألبرت كامو التي تقع أحداثها عام ١٩٤٢ سيتعرف على شخصية “ العربي “ المقتول على يد الشخصية الرئيسية للرواية ألا وهو الفرنسي “ الجزائري “ مورسو، والذي ارتكب جريمته لسببٍ واهٍ. طوال النصف الثاني من رواية الغريب وضمن أحداث محاكمة مورسو لا يرد أي ذكر لتفاصيل حياة العربي ولا حتى إسمه، يكتفى فقط بالإشارة إليه بصفته “العربي” ، كأن الصفة تختزل كل ما يحتاجه الغربي لمعرفته عن تلك الشخصية. فالهويات النمطية من مثل “العربي“ و“الزنجي“ التي تسكن الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط هي قوالب تجسد الفكر الاستعماري والرؤية الأدبية لتلك الشخصيات والتي سيطرت على صناعة الرواية الغربية. أما على الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط فالشخصية الغربية إنسانٌ فردي مستقل له صفاته المميزة والمختلفة والمتباينة عن غيره من الشخصيات، هو شخصية تحتمل الخير والشر وما بينهما ، تحتاج إلى فقرات وأحيانا صفحات ليمنحها الروائي حقها من الوصف. فعلى عكس الشخصية الشرقية ، الشخصية الغربية هي ببساطة إنسانٌ غير نمطي.
في كتابه “ الثقافة والإمبريالية “ يرتكز المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد على دراسة الفكر الاستعماري في الرواية الغربية والدور الذي لعبته في ترسيخ ثقافة الاستعمار وتمكينه لدى شعوب الغرب “المستعمِر” وكذلك لدى شعوب الشرق “المستعمَر“. فكيف كان للاستعمار أن يدوم كل تلك الحقبة إن لم يكن هناك من وازعٍ أخلاقي بيرر الذهاب إلى أرضٍ بعيدة في سبيل الاستيلاء على ثرواتها واستعباد شعوبها. الأفضلية الأخلاقية وراء بناء الإمبراطوريات الاستعمارية أوجدتها الرواية الغربية ، كما أكد سعيد ، والتي لعبت دوراً أساسياً في ترسيخ الوعي الاستعماري من خلال ترسيخ الهوية النمطية. يكفي فقط أن نأخذ كمثال ما يعتبره الباحثون أول رواية غربية ألا وهي رواية روبنسون كروزو التي صدرت عام ١٧١٩. الرجل الأبيض المتفوق دينياً وأخلاقياً وعلمياً وحضارياً ، يجد نفسه وحيداً في جزيرة نائية بعد غرق سفينته. وفي يوم يلتقي “بالآخر“ الزنجي الذي يمثل السكان الأصليين، الشخصية الزنجية خرساء لأنها لا تتحدث لغة الغرب وأمية لأنها تجهل القراءة والكتابة بلغة الغرب لذلك فهي لا إسمَ لها ، الإسم يمنحه اياه كروزو فيسميه Friday تيمناً باليوم الذي التقيا فيه. ومع منحه الإسم كأنما الرجل الأبيض أضحى امتداداً لسيد البشر آدم حين أطلق الأسماء على المخلوقات الأدنى منه في ترسيخ للصورة الإنجيلية الغربية عن تفوق الرجل الأبيض على باقي الأجناس والأعراق البشرية. لدى قراءة الرواية سواءً وقع الكتاب بين يدي قارئ غربي أو شرقي فإن تعاطف القارئ ينصب في اتجاه الغربي الذي يعاني في سبيل ترويض وحشية الشرقي وتنويره وتقديمه لمفهوم الحضارة الإنسانية وتأهيله لخدمة سيده ، إعجاب القارئ واحترامه هو للغربي الذي تمكن بعلمه وحضارته وكتابه من استغلال الموارد الطبيعية المتوافرة في الجزيرة للإبقاء على حياته بعد أن كانت تلك الموارد مهملة على يد سكانها الأصليين. تلك الرواية ، والتي سرعان ما أضحت قصةً كلاسيكية تروى للأطفال ، غرست في الوعي الإنساني التبرير الأخلاقي والسيكولوجي لسيطرة الغرب على الشرق.
نعود إلى شخصيتنا الرئيسية هارون ، من هو؟ هو أخ العربي المقتول في رواية الغريب . هو من يحمل جثمان أخيه كل تلك السنوات من بعد مقتله ، كما حمل قابيل جثمان أخيه هابيل على ظهره وطاف به الأرض سنوات لأنه جهل كيف يدفنه. وهكذا هو حال هارون، سيدرك أن السبيل الوحيد لدفن أخيه هو في رواية قصته ، لا شفاهةً كما كانت تفعل أمه ، أمه التي كانت تخشى أن ينسى ابنها الجريمة فأخذت تروي له كل ليلة قبل المنام قصة أخيه الأكبر الذي قتله الفرنسي على الشاطئ بأربع رصاصات ومن ثم ابتلعه البحر الأبيض المتوسط، لا .. ليس بأسلوب أمه الحكواتي الشعبي حيث تتبدل أحداث القصة كل ليلة وتمتزج بالأساطير والشعر وبقايا الذاكرة .. بل كتابةً ، بروايةٍ غربية مضادة.“ كيف لنا أن نروي قصتنا للعالم بأسره إن لم نكتبها لكم؟“ هكذا يتساءل هارون ، وهذا تماماً ما فعله الروائي الجزائري كامل داوود.
عام ٢٠١٣ صدرت الرواية الأولى للروائي الجزائري كامل داوود والتي تحمل عنوان “ مورسو : التحقيق المضاد “ . في الرواية عمد داوود إلى تفكيك رواية الغريب لكامو حجراً حجراً ، بفلسفتها العبثية وبأحداثها وتعابيرها ، بإطارها الزماني والمكاني وتركيبة شخصياتها وحتى بجملتها الافتتاحية.
الرواية الفرنسية تبدأ بجملة:
أمي ماتت اليوم
الرواية الجزائرية تبدأ بجملة:
أمي لا تزال حية حتى اليوم
ثم عمل على إعادة بناء الأجزاء المفككة في روايته بصوته ومشهديته وبلغته الأدبية، لا اللغة العربية أعني بل اللغة الفرنسية ، لغة المستعمر ، ثم أصدر عمله في فضاء الأدب الروائي الفرنسي. وفي عمق الحراك الثقافي الغربي يعلو صوت هارون ، الراوي الجزائري المضاد للراوي الفرنسي مورسو ، يعيد للمستعمر بناء مشهد الجريمة وما سبقها من ظروف وما تلاها من عواقب على مسمع طالب جامعي فرنسي على أمل أن يحمل جثمان أخيه عن ظهره فيدفنه ويضع على قبره شاهداً يحمل اسمه. بعد عام من نشرها حازت الرواية على جائزة الغونكور الفرنسية للأعمال الأولى ومن بعدها انطلق داوود بروايته للعالمية مع ترجمة الرواية للغة الانجليزية لتختارها صحيفة نيويورك تايمز ضمن قائمة أقوى الأعمال الروائية العشر للعام ٢٠١٥.
ما حققه داوود في روايته فرنسية اللسان الجزائرية روحاً وهويةً هو ما تحدث إدوارد سعيد عنه فيما يخص مسؤولية رواة وأدباء الشرق في “ إعادة بناء الماضي والتحرر من الوعي الاستعماري من خلال الرواية “. فبعد إحدى وسبعين عاماً من نشرها عام ١٩٤٢، كل من سيقرأ رواية الغريب منذ اليوم وصاعداً سيرى العربي المقتول - الذي ما لمح منه سوى ظله - سيراه يُبْعث أمامه من أعماق الظلام ، يداه الكبيرتان اللتان حمل بهما أخاه الصغير هارون ، اللتان عمل بهما في العتالة في ميناء بلده المستعمر منذ كان طفلاً تحمّل مسؤولية رعاية أمه وأخيه بعد اختفاء أبيه وقاسيا معه القهر والجوع ، بتلك اليدين سيشق موج البحر الأبيض المتوسط بين ضفتيه الجنوبية والشمالية ، يمزق إلى نصفين هويته النمطية التي انهارت بمجرد سماعه يُعرِّف القارئ باسمه:
#موسى
#Musa.
إيمان أسعد
insta: @alif_alyasmeen
eman_assad@hotmail.com