Monday, March 14, 2016

ألا هُبّي بصحنكِ فأصْبحينا : تحية الصّباح من معلقة عمرو إلى صورة انستغرام






أَتْذكُر تلك الأيام من العهد الماضي حين كانت صباح الخير هي مجرد تحية تنطق بها أثناء تثاؤبك ، ليرد عليك الآخر التحية بمثلها ، مثلها تماماً ، متثائباً وبملل. لم يعد الأمر كذلك. في عصر الأدب الرقمي صباح الخير هي أكثر تحية ، لا بل أكثر جملة ، تبذل بها جهداً وتتفنن في إبداعها كلمةً وصورة كل صباح. حتى لحظة كتابة هذا السطر من المقال عدد الصور المدرجة تحت هاشتاق #صباح-الخير هي ستة عشر مليوناً ، ثمانمائة واثنان وثمانون ألفاً ومئتا واثنان وخمسون صورة. إن اعتبرنا نصف العدد افتراضاً هو تكرار لتحية صباح الخير دون إبداع فيها ، يتبقى لنا النصف الآخر : أي ثمانية ملايين تركيبة لغوية أدبية ومرئية مختلفة هدفها جميعاً أن تقول للسامع الرائي : يا صباح الخير. وإن افترضنا أن الصورة الواحدة لصباح الخير سيرد على صاحبها خمس متابعون على المعدل - خمسة ضرب ١٦ -  يساوي ٤٠ مليون تحية صباح الخير مخزنة في ذاكرة الفضاء الرقمي. وكل من يمارس الكتابة في عالم الانستغرام يعلم يقيناً أن ساعة الصباح هي الساعة الأهم والأكثر حيوية بين كل الساعات ، لأن الجميع قد استيقظ التو. وكما النائم لحظة ما يفيق من المنام، يمد ذراعه على فراشه باحثاً عن الآخر ليحضنه ويلقي عليه تحية الصباح ، يمد الواحد فينا ذراعه باحثاً عن هاتفه ، ومتى ما حضنه بكفه يتفقد صباحات الجميع ويرد عليهم التحية بأفضل منها. 

هذا التغزل بالصباح وإن كان ضخماً بحجمه الذي نراه عليه الآن ، فهو ليس بأدبٍ دخيل أو جديد على فضاء الأدب العربي. الأربعون مليون تحية صباح الخير لها جذورها الضاربة في العصر الجاهلي ، فمن منّا ينسى تحية عمرو بن كلثوم في معلقته التي تتجاوز أبياتها المئة بيت والتي ابتدأها :

 ألا هُبّي بِصَحْنكِ فاصْبِحينا    ولا تُبقِي خُمورَ الأَنْدَرِينا

 عمرو يوقظ الساقية من منامها لتصبَّ الصباح في قدحه ، داعياً اياها أنْ لا تدخر خمراً من خمور قرى الأندرون في الشام إلا وتصبها في قدحه ليمتزجا سويا لونا النور والخمر. تلك الصورة الشعرية الفائقة الجمال ، تلك التحية الأدبية للصباح والتلذذ بارتشاف نوره ، سعي الروح والجسد والعقل نحو نشوة السعادة وفك الارتباط عن الواقع في تلك اللحظة مع شروق الشمس ، أليست هي ذاتها الصورة ، ذات الإحساس الذي نبحث عنه سواء كنا الطرف الذي يكتب التحية أم الذي يقرأها لينتشي بإيجابيتها ويرد عليها. فما السر الذي أعاد وهج تحية الصباح من شمس الجاهلية إلى شمس أبناء العصر الرقمي؟
سواء كنت طالباً أم موظفاً ، عازباً أم متزوجاً ، ضغوط الحياة اليومية ستجد طريقها لك وتلقي بثقلها عليك معنوياً ومادياً. تلك الهموم اليومية والتوترات العصبية غذّت لدى الكثيرين مشاعر السلبية واليأس خصوصاً في غياب تواصل حقيقي بين أفراد الأسرة الواحدة. وحتى في حال التواصل ضمن البيت الواحد، لن تجد دفقاً إيجابياً ينتظرك متى ما استيقظت ، فالكل على عجلة للذهاب إلى المكان المفترض به أن يسارع إليه، ولكلٍّ مشكلته التي أرقت منامه ، ولكلٍّ أسبابه التي تدعوه أحياناً لعدم الرغبة في إظهار محبته لك وخوض حديثٍ معك ليطمئنك أن اليوم هو يوم جديد بينما هو في حاجة أمسّ منك لمن يطمئنه.  فما الذي يحدث؟ تغادر المنزل صباحاً وأنت تشعر بهمومك وهموم كل من لاقيت في الصباح وقد أثقلت قلبك ، لن تجد في نفسك الرغبة للوقوف لحظة واستيعاب أن اليوم هو بالفعل يوم جديد.
لكن ماذا إن فتحت عينيك ، وقبل أن تنهض عن فراشك دخلت عالم الانستغرام. تلتقط صورة لكتابك الجامعي الذي سهرت الليل لمراجعته قبل الامتحان وتلقي تحية الصباح مع دعاءٍ تطلب فيه التوفيق من الله. تترك هاتفك لتفرك عينيك ، شخصان أعجبا بصورتك . تنهض عن الفراش ، ثلاث أشخاص أخر أعجبوا بوضعك ومنهم من ترك تعليقاً يتمنى فيه لك التوفيق مع صور إيموجي لشمس وكَفَيّ دعاء. تتوجه إلى الحمام ، تتزايد الإعجابات والتعليقات المشجعة. بعد أن تنتهي من ارتداء ملابسك وإعداد نفسك للمغادرة وقبل أن تلمس مقبض باب غرفتك ستستمتع بقراءة تحيات الصباح من أناسٍ تجهلهم تماماً في الحياة لكن شاركوك تلك اللحظة. حينها لن تشعر بالرهبة من الامتحان ، لحظياً لن تشعر به ، لأنك الآن ما عدت مرتبطاً بالواقع بل منتشياً بدفق المحبة يصبه المتابعون لك في صحن حسابك. أنت ما عدت طالباً يعيش في بيت أخيه المتزوج وأبنائه الثلاث لأن أباك طردك من منزله بعد زواجه بأخرى بعد وفاة والدتك. فأنت حين تحرك الشاشة بإبهامك ، ضوؤها الساطع على عينيك يحاكي وهج نور الصباح ، ما أنت عليه حينها هو إنسانٌ محبوبٌ.  هناك في الكون الفسيح خارج نطاق بيتك وحياتك الواقعية من يهتم لسعادتك ، من تعنّى كتابة جملة ( صباح الخير وربي يوفقك ويسعدك ) أسفل صورة كتابك ، أسفل واقع قلقك وهمك وسهرك ووحدتك.
ولإن التحية ترد بأفضل منها تدخل على حسابات متابعيك بادئاً زيارتك بمن كتبوا ، فهؤلاء محبتهم أثملتك أكثر. وكأنهم كانوا في انتظار طلتك عليهم يستقبلوك بصور جميلة لصباحاتهم، هناك الأدعية القرآنية تطلب لك التوفيق واليسر ، هناك الأبيات الشعرية التي تحثك على الدخول في عالم الحب ، هناك النكت الظريفة لرسم ابتسامة صباحية على وجهك تنسيك امتحانك، وهناك الصور الشخصية يبتسم فيها أصحابها لك يذكرونك بمدى جمال الصباح الذي ينتظرك.  تغادر غرفتك وتلتقي بأخيك ينتظر على الأريكة في الصالون انتهاء زوجته من إعداد أبنائه للمدرسة ، تلقي عليه عرضاً صباح الخير وهو لن يرد عليك ، أو ربما رد عليك لكنه قالها بينما يرتشف الشاي دون أن ينظر إليك فضاعت التحية في فوضى حواس السمع والبصر والنطق. لكنك لن تحزن، وربما لن تذكر تلك الحادثة بمجرد خروجك من البيت، لأن عيناك لا تزالان مثبتتان على الشاشة ، ودفق الصباحات الرقمية بلونها الخمري لا تزال تنهال في صحنك الوضّاء.

فلنتخيل سوياً عمرو بن كلثوم طالباً جامعياً وكاتباً حديثاً في عصر الانستغرام والأدب الرقمي. يستيقظ عمرو مبكراً ، قبل أن يتوجه إلى جامعته ، وقبل أن يرى أياً من أهل بيته ، يتوجه السادسة والنصف صباحاً نحو مقهى ستاربكس. الساقية في انتظاره ولا داعٍ له ليوقظها ، هي تعرف مسبقاً طلبه لأن هذا ما اعتاد على طلبه كل صباح لما يزيد عن عام. ستحييه بابتسامتها المعهودة مناديةً اياه بإسمه الذي حفظته كما حفظت طلبه فينتشي لسماع اسمه تنطق به بغنج ، تسأله عن حاله وهو سيجيب عليها بابتسامة عريضة أنه بأفضل حال. يدفع لها مقابل القهوة وتسلمه قدحاً مصنوعاً من ورق، بدل خمر الأندرون قهوة كولومبيا مع حليب خالي الدسم. معه في المقهى فقط ثلاث أشخاص: رجلٌ ، وامرأتان لا يعرف عنهما سوى الاسمين المكتوبين على قدحيهما : هند وليلى. كل واحدة منهما وضعت حقيبتها ذات الماركة العالمية على طاولتها تتفاخر بها أمام غريمتها الجالسة في الجهة المقابلة لها. أما الرجل فلا رأس له لأنه مختبئ خلف الجريدة . يجلس عمرو مقابله ويلفت نظره على الصفحة الأولى العنوان الرئيسي : بعد خمس سنوات من القصف والقتل والخراب: الدماء تحولت خمراً في أندرون الشام.  مستوحياً من تلك اللحظة التي عاشها التو ، ينظم عمرو البيت الأول من معلقته، وسيكتفي فقط بالبيت الأول ولن يزيد أبياتاً أخرى لأنه محدود بعدد الأحرف ( هو ينوي نشرها كذلك على حائط حسابه في تويتر ) ويخشى أن يهرب المتابعون من صباحه إن لحظوا وجود الأسطر العديدة. يلتقط عمرو صورة ليده وهي تمسك قدح الورق مكتوبٌ عليه اسمه باللغة الانجليزية ، ومن خلف القدح انعكاس ضوء الشمس على النافذة ، ثم يعرض الصورة مع بيت الشعر

ألا هُبّي بِصَحْنكِ فاصْبِحينا  
.

  ولا تُبقِي خُمورَ الأَنْدَرِينا

 وعلى رأس الهاشتقات العديدة التي سيضيفها متضمنةً كل العواصم والبلدان العربية ، لكل متابعيه العرب النائمين في انتظار شمس يوم جديد: 
#صباح-الخير.

إيمان أسعد
 @alif_alyasmeen


No comments:

Post a Comment