Wednesday, July 22, 2015

جى دي سالنجر : مقاطع مختارة من روايته القصيرة سيمور



J.D. Salinger

Seymour
An Introduction 



جى دي سالنجر
سيمور
- مقدمة -


جى دي سالنجر كاتبٌ وروائيٌ أمريكي ذاع صيته عالمياً بعد نشر روايته: الحارس في حقل الشوفان عام ١٩٥١.
وقبل نجاحه العالمي كصاحب رواية من ضمن أهم روايات القرن العشرين، بدأ سالنجر مشواره الأدبي عام ١٩٤٨بنشر قصة قصيرة على صفحات مجلة نيويوركر بعنوان:
 " يوم مثالي لسمك الموز" .
A Perfect Day For Bananafish

 وتدور أحداث القصة حول شاب أمريكي يدعى سيمور ، ويبلغ من العمر ٣١ عاماً ، ذهب بصحبة زوجته إلى فلوريدا لقضاء إجازةٍ قصيرة . وبعد قضاء سيمور وقتاً بدا ممتعاً مع طفلةٍ صغيرة على شاطئ البحر ، يتوجّه إلى غرفته في الفندق، يتناول المسدس من حقيبة سفره ، يجلس إلى جانب زوجته النائمة على الفراش ثم يطلق النار على رأسه. 
على مدار سنوات من بعد نشر قصته الأولى، ينشر سالنجر قصصاً قصيرة أخرى في مجلة نيويوركر عن عائلة سيمور - عائلة غلاس -:  عن طفولته ، مراهقته ، إخوته وقصة زواجه. وسيتعرّف القارئ مع كل قصة أكثر وأكثر على شخصية الشاعر سيمور: على روحانيته ، على شفافية مشاعره ، على عاطفته القوية تجاه الناس وحساسيته المفرطة تجاه ما يجري من حوله، عدا طبعاً غرابة أطواره الناتجة عن رؤيته الفلسفية والشاعرية للعالم. 

العمل الذي ترجمنا مقاطعَ مختارة منه نُشر عام ١٩٦٣ وهو بعنوان : سيمور - مقدمة - والقصة هي على لسان الأخ الأصغر لسيمور : الروائي بادي غلاس الذي يضع نصب عينيه مشاركة صديقه الوحيد ( القارئ ) كل ما يعرفه عن أخيه الشاعر سيمور بعد سنواتٍ من انتحاره. 

العمل يجمع بين بصيرةٍ عميقة لعالم الكتابة وحس سخرية لاذع تتميز بها أعمال جى دي سالنجر، وأتمنى لجميع أصدقائي الأعزاء الاستمتاع بقراءة المقاطع التي اخترت ترجمتها ، و سلسلة القصص القصيرة  بأكملها هي عمل أدبي يستحق فعلاً القراءة.
  
❤📖🌊

زلّة قلم




إِنْ زلّت قلمُ الكاتبِ يوماً ، وأضحى الخطأ المطبعي وجوداً واعياً بحدّ ذاته، فربّما تلك الزلّة لم تكن زلّة على الإطلاق. بل وجوداً لا يتجزّأ عن النص. 

وبما أنّ الزلّة أضحت واعية لوجودها فهي الآن ستثور ضد كاتبها، ستثور من باب كراهيتها له لمحاولته حذفها و تصحيحها. وستصيح تلك الزلة في وجه كاتبها:

" لا ، لن أسمح لك بمسحي ، سأبقى هنا على هذه الصفحة شاهدةً عليك

شاهدةً على كونك كاتباً ضعيفاً

ضعيفاً جداً."

😺🌸 📖



الكاتب السعيد



الكاتب السعيد هو أكثر أنواع الكُتّاب إجهاداً لعاطفة القارئ ، ولكلِّ من يحيطُ به حينها. 
طبعاً يبقى الشاعر هو الأصعب في التعامل حالَ سعادتِه ، لكن حتى الروائي يعاني ما يعاني كُلَّمَا أصابته نوبة سعادة.

ورغم ظنِّي أن الكاتب السعيد يملكُ إنجازَ الكثير على الصفحة ، وربما أفضلَ أعماله على الإطلاق. لكنّ الحقيقة - الحقيقة المُرّة - هي أنّ الكاتب السعيد يفتقدُ أسلوبه كلّ اتزان واعتدالٍ وبلاغة. 
صدّقني عزيزي القارئ : لن تجدَ للكاتب السعيد فقرةً واحدة قصيرة!

فأمامَ تلك الموجة الهائلة من السعادة التي غمرته لن يتمكّن الكاتب من فصل نفسه عمّا يكتب، وإذا ما قرأتَ عملاً لكاتبٍ سعيد فستجده هناك عزيزي القارئ جالساً على السّياج المنصوب على الهوامش يتأمّل كل ما كَتَب.

والأسوأ ، أنَّ الكاتب السعيد حينها لن يعود مهتماً بأهمّ احتياجٍ لديك:

أن يمضيَ بأحداث قصته الملعونة عوضاً عن جلوسه هكذا على السياج.



😺🌸 

عاشقٌ للطيور 




بكلّ صراحة ، وأحياناً كثيرة ، خصوصاً وأنّي بلغتُ من العمر الأربعين ، أجد أن الصداقة الوحيدة التي تمكنت من الحفاظ عليها هي معك - نعم معكَ أنت أَيُّهَا القارئ.
وقد نصحني شخصٌ قبلي عاش حياة الكاتب بحلوها ومُرّها أنّ من مسؤولية الكاتب الحفاظ على العلاقة مع القارئ من التدهور وذلك بصيانتها وتلبية احتياجاتها دوريّاً.

والسؤال الذي يطرح نفسه منطقياً هو:
كيف لي ككاتب أن أحافظَ على علاقتي معك أيها القارئ وأنا أجهلُ عنك كلّ شيء ، بينما أنت تعرف عني كل شيء!

وبعد كل تلك السنوات ككاتب تعلمت أخيراً أنّ هناك أمراً واحداً يتوجب عليّ معرفته عنك - رغم أنك ستقفز عن كرسيّك وتنكر بشدة صحة ما أعرفه عنك - وهي أنك عزيزي القارئ " عاشقٌ عظيمٌ للطيور ".

أنت شخصٌ مهتمٌ باقتناء الطيور النادرة وحبسها في قفص ووضعها في بيتك لأنها تثيرُ مخيّلَتك، لأنها من بين كل المخلوقات على وجه الأرض هي الوحيدة التي تذهلك بصفاء أرواحها.


❤📖

لا تفرض الرقابة على حسِّكَ الفكاهي




الفقرة أدناه هي على لسان سيمور حين سهر طوال الليل يكتب رسالة طويلة لأخيه بادي النائم على السرير الآخر في ذات الغرفة ليعلمه برأيه بعد قراءة مسودة قصة من قصصه. 

طوال النصف الأول من القصة يقف الطبيب في العراء متجمداً من البرد في انتظار محبّتك، كونه الشخصية الرئيسية في قصتك. فَلَو كنت فعلاً تحبه لما حرمته من حريته في اللّعن والسباب في حواراته مع ممرضته، لما حوّلت جُملَ حواره إلى عباراتٍ لطيفة منتقاةٍ بعناية.

 لم فرضتَ الرقابة على ذاتك؟!  أكنت تخشى فعلاً على شخصيتك الرئيسية من عقوبة الحرق في الجحيم إن هي لعنت؟


وأرجوك .. أرجوك تصالح مع واقع أنك ككاتب تملك حسّاً عالياً من الفكاهة. ان تخليّت عن الفكاهة فقط لأنك ككاتب لا تؤمن بجدواها وقيمتها أدبياً فهو قرارٌ مماثلٌ بسوئه قرارَ الكاتب التخلي عن الأسماء والصفات والأفعال لأنّ أستاذه الجامعي طلب منه ذلك.

فما الذي يعرفه أستاذ الجامعة عن الكتابة؟ ما الذي يفقهه أصلاً عن حس الفكاهة؟

ما قرأته التو لك هي قصة رائعة بمعايير أستاذك، لكنها ليست قصتك. بمجرد أن أخْبَرَك أستاذك أن قصتك هذه هي خطوة في الاتجاه الصحيح وجبَ عليك أن تقلق. 

لا تغضب مما قلته التو، لكنني مجرد قارئ، والسؤال هو: هل أنت كاتب؟ أم مجرد كاتب يكتب قصصاً رائعة بمعايير أستاذه؟

اعْلَم هذا عزيزي الكاتب ، أنا أمانع وبكل قوة قراءة قصةٍ رائعة لك بمعايير أستاذك.

أنا قارئ

وما أريده هو قراءة قصتك أنت.
والاستماع للسب واللعن على لسان شخصياتك !


( الصورة أعلاه هي لغلاف مجلة نيويوركر عام ١٩٤٨ والتي نشرضمن عددها قصة " يوم مثالي لسمك الموز " )

✒  ✒

الكتابة ليست مهنة .. الكتابة ديانة



ما يلي هي تتمة لرسالة سيمور إلى أخيه بادي التي أشرنا إليها في المقطع السابق.



أَتَذْكُر حين ذهبنا أنا وأنت للالتحاق بالجيش.. أتذكر حين ضحكت وأنا أراك تعبئ استمارة الالتحاق لكني رفضت حينها أن أخبرك بالسبب رغم إلحاحك عليّ لأيّام . 

ها أنا سأخبرك الآن.

في خانة المهنة أنت سجلت : كاتب !

لم أصدق ما رأته عيناي! فمنذ متى كانت الكتابة مهنة .. ألا تدري أنها ديانة.

وإن كانت الكتابة هي ديانتك أتدري ما الذي ستُسْأَل عنه لحظة وفاتك؟

لكن دعني أولاً أعلمك بالأسئلة التي لن يسألكَ ايّاها أحد على الجانب الآخر لدى وفاتك:

هل كتبتَ عملاً رائعاً ومؤثراً احتل قوائم الكتب الأكثر مبيعاً؟

هل كانت قصتك قصيرة، طويلة ، حزينة ، سعيدة ، منشورة وغير منشورة؟

هل كنت في حالٍ جيدة أم سيئة لدى كتابتك القصة؟

هل القصة التي تركتها وراءك هي أهم قصة في حياتك؟ أم أن الوقت لم يسعفك لكتابتها؟

لا عزيزي الكاتب

السؤالان الوحيدان اللذان ستضطرّ للإجابة عليهما لدى وفاتك وستحاسب فيهما على إجابتك هما:

هل كتبتَ من صميمِ قلبك؟

هل أطلقتَ العنانَ لكلِّ النجوم في ملكوتِ خيالِك؟

❤📖


جاذبيّة الشاعر المنتحر




يبدو لي أنَّ فئةً كبيرةً من الناس ، حول العالم كله ، أيّاً كانت أعمارهم ، ثقافتهم ، طباعهم ، فهم يتجاوبون بذات الإحساس القوي وبذات الدافع تجاه الكُتّاب والفنانين الذين أنتجوا أعمالاً رائعة. لكن بذات الوقت ، وعلى المستوى الشخصي ، كلٌّ منهم ارتبط اسمه بعلةٍ أخلاقيةٍ فاضحة. 

قد تكون عِلّة سلوكية ، خيانة وطنية ، غراميّات مشبوهة ، إدمان ، نرجسية عالية ، خيانة زوجية ، صممٌ كالحجر ، عمىً كالحجر ، عطشٌ لا يُرْوى ، سعلةٌ أبديّةٌ مزعجة ، ضعفٌ خاصٌ تجاه العاهرات ، رغباتٌ مُحرّمة تجاه القريبات ، إدمانٌ بوصفةٍ طبية أو بدونها على الأفيون والمسكنات.

وبالطبع يتسيّد عرش تلك القائمة من العلل المثيرة لانتباه القراء: الانتحار.

فدائماً ما نرى أنّ الشاعر المنتحر هو من ينال القسط الأكبر من اهتمام القارئ والناشر. لا من باب التعاطف ضرورةً ، بقدر ما هو من باب التطفل على أوراق الشاعر الذي عاش حياته أرنباً منبوذاً من الجميع ثم قرر يوماً الانتحار. 

✒ ✒




عينا الشاعر




أليسَ للشاعر - الشاعر الحقيقي أعني - عينان تخترقان حواجز الزمن فترى ما هو آت؟ أليس الشاعر بالمبصر الوحيد على وجه الأرض؟ 

فبالتأكيد لا يمتلك رجل العلم تَيْنَيك العينين ، وبلا أدنى شك لا يمتلكهما عالمُ النفس ( ما عدا بالطبع الشاعر الوحيد بين علماء النفس ألا وهو فرويد. فأيّ عاقلٍ فينا له أن ينكر أن عمل فرويد ما هو إلا ملحمة شعرية) .

فإن كان الشاعر مبصراً فما هو العضو في جسده  الذي يتلقى القدر الأكبر من التعذيب:
بالطبع عيناه.

لا تصدق تقرير الطبيب الشرعي أن سبب وفاة الشاعر هي طلقة في الرأس بداعي الانتحار. لا عزيزي القارئ - إن كنتَ لا تزال هنا معي ولم ترمِ بي بعد عن حِجْرك - فإني أرجوك .. أرجوك عُد إلى ما كتبته بدايةً عن زلّة القلم. ألا تبدو حقيقة الأمر جليةً لك؟ ألم تسمع عينا الكاتب تصرخان ألماً في مواجهة ثورة الخطأ المطبعي؟!

دع عنك الطبيب الشرعي واستمع إليّ ، أنا من سيخبرك بحقيقة الأمر . المبدع الحقيقي ، الشاعر المبصر ، ما هو إلاّ مجنونٌ سماويٌ يخلق من كلماته جمالاً لا مثيل له. لكن لأنه مجنون سيسمح للشكوك التي تراوده بشأن كل ما يكتب تسيطر عليه، سيسمح لضميره الإنساني أن يعميَ بصيرته بكل أشكال وألوان الذنب. 

وهكذا .. سرعان ما يضلّ الشاعر طريقه ويهوي مسرعاً نحو الموت
 بطلقةٍ في رأسه.




ومع المقطع السابق نختم ملخصنا الأسبوعي. وبالنسبة لي فإن ترجمة تلك الفقرات هي من أكثر المرات التي استمتعت بها بالترجمة على المستوى الشخصي.
 وإذا أردت عزيزي القارئ الاطلاع على أعمال سالنجر فإني أنصح بقراءتها باللغة الانجليزية للاستمتاع أكثر بأسلوبه وصوته المميز في الكتابة والذي غالباً ما يضيع بالترجمة.




Tuesday, July 21, 2015

موسى : قصة قصيرة بقلم الروائي الجزائري كامل داود



Musa

written by: Kamel Daoud

The New Yorker
April 6th 2015



موسى
قصة قصيرة بقلم الكاتب الجزائري
كامل داود

مجلة نيويوركر
 السادس من إبريل عام ٢٠١٥




الملخص لهذا الأسبوع يحمل الطابع الأدبي. فهو عبارة عن عرض مقاطعَ مُختارة ترجمناها عن القصة القصيرة " موسى " للروائي الجزائري كامل داود والمنشورة  في مجلة نيويوركر

 والقصة القصيرة هي صورة مصغرة عن روايته الأولى " مورسو: التحقيق المضاد" والتي نال عنها جائزة غونكور الفرنسية للرواية الأولى.  تلخيصنا لهذا الأسبوع سيلقي الضوء على مقاطع من القصة القصيرة لمنح القارئ فكرة عن طبيعة الرواية والتي صدرت بنسختها الانجليزية شهر يونيو عام ٢٠١٥ ، بعد صدور نسختها الفرنسية العام الماضي




والقصة هي مستوحاة من رواية " الغريب" لألبير كامو الصادرة عام ١٩٤٢ والتي تدور أحداثها عام ١٩٤٢ في الجزائر. شخصية رواية الغريب الرئيسية هي لمستوطنٍ فرنسيٍّ في الجزائر زمن الاستعمار يُدعى مورسو وجريمة قتله لشاب عربي على شاطئ البحر. منذ وقوع جريمة القتل وخلال التحقيق ومن بعدها المحاكمة تبقى شخصية القتيل العربي مجهولة لا إسم لها حتى. الجميع سواء مورسو أو الشخصيات الأخرى وأركان النظام القضائي تشير للقتيل بصفة العربي. القارئ لن يعرف أي معلومة عنه سوى أنها ضحية عربية مجهولة.

ومن هذه الفكرة تنطلق رواية كامل داوود " مورسو : التحقيق المضاد" والتي ترتكز أحداثها على عائلة الشاب العربي المقتول " موسى " والمكونة من أمه وأخيه الأصغر، والراوي في القصة هو الأخ الأصغر لموسى الذي يحمل على عاتقه حِمْل الإدلاء بشهادته عمّا يعرفه عن أخيه المقتول.




موسى -١-

موسى كان أخي الأكبر. قامَتُهُ الطويلة بَدَت لي كأنها تصِلُ برأسه إلى مناطحة الغيوم في عنان السماء. جسدُه كان نحيلاً بفعل الجوع ، والغضب الذي يتآكله بفعل الجوع.

 زوايا وجهه كانت حادة ،
 يداه الكبيرتان كانتا تحميانني.

 أمّا عيناه الثاقبتان فكانتا قاسيتين، 
وكيف لا ، فأجدادنا قد خسروا أرضنا للأعداء.

في ذاكرتي لا أملك له سوى صورٍ قليلة، لكن دعني أصف لك تلك الصور بوضوحٍ وتأنٍ.


موسى -٢-

على سبيل المثال ، دعني أصف لك ذاك اليوم الذي جاء فيه أخي باكراً من السوق ، أو ربما من الميناء حيث كان يعمل عتّالاً: يسحب ، يشد ، يرفع ، ويعرق. دَعْ عنكَ ما كان يصنع أخي في ذاك اليوم حين جاء ووجدني ألهو بإطارٍ قديم. حينها رفعني عن الأرض ووضعني على كتفيه ثم أمرني أن أمسك أذنيه كأنَّما رأسه هي عجلة قيادة.

أذكر جيداً شعور الفرح الذي غمرني حينَ أخذ يدفع بإطار العجلة القديم ويصدر صوتاً شبيهاً بالموتور. رائحته حينها لا تزال تغمرني: مزيجٌ قوي من رائحة الخضار العفنة، ومن رائحة عرقه وأنفاسه. 

شيءٌ آخر أذكره جيداً عن أخي، وهي قدرته على الثبات دون حركة واقفاً على عتبة بيتنا مقابل جدار منزل جيراننا : السيجارة في يد ، وفنجان القهوة السوداء الذي أعدته له ماما في يد. 


موسى -٣- 

صورةٌ أخرى له في ذاكرتي وقعت أحداثها صبيحة يوم العيد. 
كان موسى قد عاقبني ليلتها على أمرٍ غبي فعلته، واستيقظنا وكلانا محرجٌ من الآخر. كان المفترض بيوم العيد أن يكون يومَ مغفرة، وكان من الواجب عليه أن يُقَبّلني. لكنني لم أرغب بإحراجه كي يعتذرَ مني، حتى وإن كانت تلك القبلة هي من باب طاعة الله.

حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام أظن أنَّ أخي أحبّنا كما الأموات يحبّون. لا كلمة واحدة زائدة عن الحاجة، وبنظرة تنبئكَ أنّ الروحَ التي تنظرُ إليك هي من عالم الغيب لا من عالمنا.




موسى -٤-

أبانا كان قد اختفى قبل فترةٍ طويلة، ولا وجودَ له سوى في شذرات الإشاعات التي يطلقها الناس عن التقائهم به صدفةً في فرنسا. وحده فقط أخي موسى كان يسمع صوت والدي. كان والدي يزوره في الحلم ليلقيَ عليه أوامره. وتالي صباح يلقي علينا موسى باسم والدي كل تلك الأوامر التي سمعها منه.

كان أخي قد رأى والدنا مرّةً واحدة بعد اختفائه ، كانت المسافة بينهما شاسعة إلى درجة أنه لم يكن متأكداً تماماً أنّ من رَآه هو فعلاً والدي.

موسى -٥- 

كطفل تعلمت جيداً كيف أُميِّز الأيام التي تكثر فيها الإشاعات عن والدي تلكْ عن سِواها. متى ما سمع موسى حديث الناس عن والدي، دخل البيت بعصبيةٍ حامية وعينانِ تقدحان شرراً، ليبدأ بعدها تهامسه مع ماما الذي سرعان ما ينقلب إلى نقاشٍ حاد وبأصواتٍ عالية. لم يشملني أحدهما يوماً في دائرة نقاشهما عن والدي، لكن كان من الواضح لي لبّ النقاش: لسببٍ غامض كان أخي حاقداً على ماما، ولسبب أكثر غموضاً ماما دائماً ما كانت تدافع عن نفسها أمامه. 

تلكَ كانت أياماً وليالٍ مقلقة، كلّها مفعمةٌ بالغضب. أخشى ما كنتُ أخشى حينها أن يهجرنا أخي كما فعل والدي. لكنه دائماً ما كان يعود إلينا ساعة الفجر مخموراً، فخوراً بعصيانه مستعرضاً عزّته التي استعادها. ومتى ما صحى من سِكْرته تختفي تلك المشاعر ويلقي بنفسه على الفراش لينام. حينها يكون أخي قد عاد تحت سيطرة أمي مرةً أخرى.

موسى -٦-

كل الصور التي أملكها عن أخي في ذاكرتي .. لي أن أعرضها عليك: فنجانُ قهوتِه، عقبُ سيجارتِه، خفي نعليه. نحيبُ أمي على أخي ثم خروجها فجأةً من تلك الحالة متى ما طرقت إحدى الجارات بابنا لتستعيرَ شاياً أو بهارات، فتمنحها ماما ما تريد مع ابتسامةٍ على وجهها.

تأرجُحُها بين ثقل المِحنة التي نعيشها وحُسنِ الضيافة التي تبديها دفعني رغم عمري الصغير للشكّ في مصداقية مشاعرها. 

موسى كان محورَ حياتنا، ووالدي كان محورَ حياة موسى. عن والدي لا أملكُ أن أفيدكَ بِشيءٍ عنه، فأنا لا أذكره أبداً،  ولم يخلِّف لي وراءه سوى اسم العائلة.

موسى -٧-

أتدري ما اللقب الذي اعتاد الناس أن ينادوننا به؟ ولاد العساس ( أبناء الحارس).  فأبي كان يعمل مراقباً ليلياً في مصنع أجهل تماماً ما كان ينتج. في ليلةٍ ما اختفى وهكذا كان. قصة اختفائه وقعت في الثلاثينيات مباشرةً بعد مولدي.

لهذا أرى موسى ربّي، كما لو كنتُ سأرى أبي لو ظلّ موجوداً. ربٌّ لا يحادثني سوى بكلماتٍ قليلة. لحيته الكثيفة وذراعاه القويتان جعلتاه يبدو لي كعملاقٍ قادرٍ على دكّ عنق أي جنديٍّ من جنود جيش فرعون.

لهذا السبب .. لهذا السبب وفي اليوم الذي علمنا فيه بموته والظروف التي أحاطت بمقتله لم أشعر للوهلة الأولى بالحزن والغضب. بل شعرت بخيبة الأمل وبالإهانة. كأنَّ من قتل أخي وجّه لي أنا إهانةً مباشرة. 

أخي كان قادراً على شقّ البحر، ورغم ذلك مات بظروفٍ جدّ عادية ، كما يموت أي شخصٍ  لا قيمةَ له في هذه الدنيا، على شاطئٍ لم يعد موجوداً، على جانبه أمواج البحر تدنو وتبتعد ، البحر الذي كان من المفترض أن يجعل من أخي إنساناً مشهوراً للأبد. 

موسى -٨-

أُمّي اليوم تقدّم بها العمر، تقدّم بها لدرجة أني أرى في ملامحها وجه جدتي، أو بالأحرى وجه جدتها، أو حتى جدّة جدتها. 


هناك لحظة من العمر حين نصل إليها يمنحنا الزمن تقاسيم كلّ أجدادنا، كأنما كل واحدٍ فيهم قد عاد ليُبْعث في ملامح وجهنا. وربما هذا هو ما عليه  العالم الآخر.. ممرٌ طويل لا نهايةَ له، يقف فيه صفٌّ من الأجداد ، الواحد تلو الآخر، رؤوسهم متجهة نحو الحيّ من ذريتهم ينتظرون قدومَه إليهم بصمت. لا كلمة تصدر عنهم ولا حركة. عيونهم تترقب بصمت تاريخ يوم انضمامك إليهم. 

موسى -٩- 

بعد مقتل أخي موسى ، وبينما كنا لا نزال نعيش في الجزائر ، حوّلت أمي غضبها إلى حدادٍ طويل الأمد كسبت به تعاطفَ كلَّ جاراتها. كما منحتها مشروعية الخروج إلى الشارع والاختلاط بالرجال والعمل في بيوت الغرباء دون خطرِ التعرض لأحكام الآخرين وأقاويلهم. فأنوثَتُها قد ماتت ومعها ماتت رغبة الرجال فيها وشكوكهم. كنت لا أراها معظم يومي، وأحياناً تمر عليّ الأيام في انتظارها بينما هي تجوب المدينة تُجْري تحقيقها الخاص في جريمة قتل أخي موسى. تسأل كل من عرف أخي، كل من تعرّف عليه أو صادف مروره به في ذاك العام ، عام ١٩٤٢.

بعض جاراتنا تولّيْنَ إطعامي. وأظهرَ لي أطفال الحي الاحترام الذي تمنحه للمريض والمنكسر. لم أمانع حينها صفتي بين أبناء الحي " أخ المقتول". لم أبدأ أعاني من تلك الصفة إلاّ حين بدأت أكبر، حين تعلّمتُ القراءة وأدركتُ المصير الغير منصف الذي تعرض له أخي

أخي الذي قُتِلَ في كتاب.


الختام

أرجو أن تكونوا قد استمتعتم بتلخيصنا لهذا الأسبوع أصدقائي الأعزاء ، وأختم تلخيصنا مع مقطع من مقابلة الروائي الجزائري كامل داود مع مجلة نيويوركر بمناسبة نشر قصته القصيرة على صفحاتها: 




"أنا أعشق الكتابة. أعشق العثور على العبارة المناسبة، والبحث عميقاً خلف كل المظاهر. موسيقى الكلمات هي أنشودة اللغة والحياة. الاستعارة هي هديةٌ من الإله.

 أنا سأكتب، أنا أكتب ، وسأظل دائماً أكتب: الكتابة هي مهنتي وشغفي ، وسأدافع عنها ما حييت.
هي الدليل الدامغ والممارسة الأكيدة لما أعتبره صورةً من صور الحظ: حرّيتي.
لي حقٌ في الحرية لأنني حيّ، 
ولإنّ يوماً ما سأموت.
لهذا.. أنا أكتب."

الروائي الجزائري كامل داود.

وللاطلاع على القصة القصيرة كاملةً باللغة الانجليزية كما نشرتها مجلة نيويوركر على موقعها الالكتروني يرجى الضغط على الرابط التالي: