Tuesday, July 21, 2015

موسى : قصة قصيرة بقلم الروائي الجزائري كامل داود



Musa

written by: Kamel Daoud

The New Yorker
April 6th 2015



موسى
قصة قصيرة بقلم الكاتب الجزائري
كامل داود

مجلة نيويوركر
 السادس من إبريل عام ٢٠١٥




الملخص لهذا الأسبوع يحمل الطابع الأدبي. فهو عبارة عن عرض مقاطعَ مُختارة ترجمناها عن القصة القصيرة " موسى " للروائي الجزائري كامل داود والمنشورة  في مجلة نيويوركر

 والقصة القصيرة هي صورة مصغرة عن روايته الأولى " مورسو: التحقيق المضاد" والتي نال عنها جائزة غونكور الفرنسية للرواية الأولى.  تلخيصنا لهذا الأسبوع سيلقي الضوء على مقاطع من القصة القصيرة لمنح القارئ فكرة عن طبيعة الرواية والتي صدرت بنسختها الانجليزية شهر يونيو عام ٢٠١٥ ، بعد صدور نسختها الفرنسية العام الماضي




والقصة هي مستوحاة من رواية " الغريب" لألبير كامو الصادرة عام ١٩٤٢ والتي تدور أحداثها عام ١٩٤٢ في الجزائر. شخصية رواية الغريب الرئيسية هي لمستوطنٍ فرنسيٍّ في الجزائر زمن الاستعمار يُدعى مورسو وجريمة قتله لشاب عربي على شاطئ البحر. منذ وقوع جريمة القتل وخلال التحقيق ومن بعدها المحاكمة تبقى شخصية القتيل العربي مجهولة لا إسم لها حتى. الجميع سواء مورسو أو الشخصيات الأخرى وأركان النظام القضائي تشير للقتيل بصفة العربي. القارئ لن يعرف أي معلومة عنه سوى أنها ضحية عربية مجهولة.

ومن هذه الفكرة تنطلق رواية كامل داوود " مورسو : التحقيق المضاد" والتي ترتكز أحداثها على عائلة الشاب العربي المقتول " موسى " والمكونة من أمه وأخيه الأصغر، والراوي في القصة هو الأخ الأصغر لموسى الذي يحمل على عاتقه حِمْل الإدلاء بشهادته عمّا يعرفه عن أخيه المقتول.




موسى -١-

موسى كان أخي الأكبر. قامَتُهُ الطويلة بَدَت لي كأنها تصِلُ برأسه إلى مناطحة الغيوم في عنان السماء. جسدُه كان نحيلاً بفعل الجوع ، والغضب الذي يتآكله بفعل الجوع.

 زوايا وجهه كانت حادة ،
 يداه الكبيرتان كانتا تحميانني.

 أمّا عيناه الثاقبتان فكانتا قاسيتين، 
وكيف لا ، فأجدادنا قد خسروا أرضنا للأعداء.

في ذاكرتي لا أملك له سوى صورٍ قليلة، لكن دعني أصف لك تلك الصور بوضوحٍ وتأنٍ.


موسى -٢-

على سبيل المثال ، دعني أصف لك ذاك اليوم الذي جاء فيه أخي باكراً من السوق ، أو ربما من الميناء حيث كان يعمل عتّالاً: يسحب ، يشد ، يرفع ، ويعرق. دَعْ عنكَ ما كان يصنع أخي في ذاك اليوم حين جاء ووجدني ألهو بإطارٍ قديم. حينها رفعني عن الأرض ووضعني على كتفيه ثم أمرني أن أمسك أذنيه كأنَّما رأسه هي عجلة قيادة.

أذكر جيداً شعور الفرح الذي غمرني حينَ أخذ يدفع بإطار العجلة القديم ويصدر صوتاً شبيهاً بالموتور. رائحته حينها لا تزال تغمرني: مزيجٌ قوي من رائحة الخضار العفنة، ومن رائحة عرقه وأنفاسه. 

شيءٌ آخر أذكره جيداً عن أخي، وهي قدرته على الثبات دون حركة واقفاً على عتبة بيتنا مقابل جدار منزل جيراننا : السيجارة في يد ، وفنجان القهوة السوداء الذي أعدته له ماما في يد. 


موسى -٣- 

صورةٌ أخرى له في ذاكرتي وقعت أحداثها صبيحة يوم العيد. 
كان موسى قد عاقبني ليلتها على أمرٍ غبي فعلته، واستيقظنا وكلانا محرجٌ من الآخر. كان المفترض بيوم العيد أن يكون يومَ مغفرة، وكان من الواجب عليه أن يُقَبّلني. لكنني لم أرغب بإحراجه كي يعتذرَ مني، حتى وإن كانت تلك القبلة هي من باب طاعة الله.

حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام أظن أنَّ أخي أحبّنا كما الأموات يحبّون. لا كلمة واحدة زائدة عن الحاجة، وبنظرة تنبئكَ أنّ الروحَ التي تنظرُ إليك هي من عالم الغيب لا من عالمنا.




موسى -٤-

أبانا كان قد اختفى قبل فترةٍ طويلة، ولا وجودَ له سوى في شذرات الإشاعات التي يطلقها الناس عن التقائهم به صدفةً في فرنسا. وحده فقط أخي موسى كان يسمع صوت والدي. كان والدي يزوره في الحلم ليلقيَ عليه أوامره. وتالي صباح يلقي علينا موسى باسم والدي كل تلك الأوامر التي سمعها منه.

كان أخي قد رأى والدنا مرّةً واحدة بعد اختفائه ، كانت المسافة بينهما شاسعة إلى درجة أنه لم يكن متأكداً تماماً أنّ من رَآه هو فعلاً والدي.

موسى -٥- 

كطفل تعلمت جيداً كيف أُميِّز الأيام التي تكثر فيها الإشاعات عن والدي تلكْ عن سِواها. متى ما سمع موسى حديث الناس عن والدي، دخل البيت بعصبيةٍ حامية وعينانِ تقدحان شرراً، ليبدأ بعدها تهامسه مع ماما الذي سرعان ما ينقلب إلى نقاشٍ حاد وبأصواتٍ عالية. لم يشملني أحدهما يوماً في دائرة نقاشهما عن والدي، لكن كان من الواضح لي لبّ النقاش: لسببٍ غامض كان أخي حاقداً على ماما، ولسبب أكثر غموضاً ماما دائماً ما كانت تدافع عن نفسها أمامه. 

تلكَ كانت أياماً وليالٍ مقلقة، كلّها مفعمةٌ بالغضب. أخشى ما كنتُ أخشى حينها أن يهجرنا أخي كما فعل والدي. لكنه دائماً ما كان يعود إلينا ساعة الفجر مخموراً، فخوراً بعصيانه مستعرضاً عزّته التي استعادها. ومتى ما صحى من سِكْرته تختفي تلك المشاعر ويلقي بنفسه على الفراش لينام. حينها يكون أخي قد عاد تحت سيطرة أمي مرةً أخرى.

موسى -٦-

كل الصور التي أملكها عن أخي في ذاكرتي .. لي أن أعرضها عليك: فنجانُ قهوتِه، عقبُ سيجارتِه، خفي نعليه. نحيبُ أمي على أخي ثم خروجها فجأةً من تلك الحالة متى ما طرقت إحدى الجارات بابنا لتستعيرَ شاياً أو بهارات، فتمنحها ماما ما تريد مع ابتسامةٍ على وجهها.

تأرجُحُها بين ثقل المِحنة التي نعيشها وحُسنِ الضيافة التي تبديها دفعني رغم عمري الصغير للشكّ في مصداقية مشاعرها. 

موسى كان محورَ حياتنا، ووالدي كان محورَ حياة موسى. عن والدي لا أملكُ أن أفيدكَ بِشيءٍ عنه، فأنا لا أذكره أبداً،  ولم يخلِّف لي وراءه سوى اسم العائلة.

موسى -٧-

أتدري ما اللقب الذي اعتاد الناس أن ينادوننا به؟ ولاد العساس ( أبناء الحارس).  فأبي كان يعمل مراقباً ليلياً في مصنع أجهل تماماً ما كان ينتج. في ليلةٍ ما اختفى وهكذا كان. قصة اختفائه وقعت في الثلاثينيات مباشرةً بعد مولدي.

لهذا أرى موسى ربّي، كما لو كنتُ سأرى أبي لو ظلّ موجوداً. ربٌّ لا يحادثني سوى بكلماتٍ قليلة. لحيته الكثيفة وذراعاه القويتان جعلتاه يبدو لي كعملاقٍ قادرٍ على دكّ عنق أي جنديٍّ من جنود جيش فرعون.

لهذا السبب .. لهذا السبب وفي اليوم الذي علمنا فيه بموته والظروف التي أحاطت بمقتله لم أشعر للوهلة الأولى بالحزن والغضب. بل شعرت بخيبة الأمل وبالإهانة. كأنَّ من قتل أخي وجّه لي أنا إهانةً مباشرة. 

أخي كان قادراً على شقّ البحر، ورغم ذلك مات بظروفٍ جدّ عادية ، كما يموت أي شخصٍ  لا قيمةَ له في هذه الدنيا، على شاطئٍ لم يعد موجوداً، على جانبه أمواج البحر تدنو وتبتعد ، البحر الذي كان من المفترض أن يجعل من أخي إنساناً مشهوراً للأبد. 

موسى -٨-

أُمّي اليوم تقدّم بها العمر، تقدّم بها لدرجة أني أرى في ملامحها وجه جدتي، أو بالأحرى وجه جدتها، أو حتى جدّة جدتها. 


هناك لحظة من العمر حين نصل إليها يمنحنا الزمن تقاسيم كلّ أجدادنا، كأنما كل واحدٍ فيهم قد عاد ليُبْعث في ملامح وجهنا. وربما هذا هو ما عليه  العالم الآخر.. ممرٌ طويل لا نهايةَ له، يقف فيه صفٌّ من الأجداد ، الواحد تلو الآخر، رؤوسهم متجهة نحو الحيّ من ذريتهم ينتظرون قدومَه إليهم بصمت. لا كلمة تصدر عنهم ولا حركة. عيونهم تترقب بصمت تاريخ يوم انضمامك إليهم. 

موسى -٩- 

بعد مقتل أخي موسى ، وبينما كنا لا نزال نعيش في الجزائر ، حوّلت أمي غضبها إلى حدادٍ طويل الأمد كسبت به تعاطفَ كلَّ جاراتها. كما منحتها مشروعية الخروج إلى الشارع والاختلاط بالرجال والعمل في بيوت الغرباء دون خطرِ التعرض لأحكام الآخرين وأقاويلهم. فأنوثَتُها قد ماتت ومعها ماتت رغبة الرجال فيها وشكوكهم. كنت لا أراها معظم يومي، وأحياناً تمر عليّ الأيام في انتظارها بينما هي تجوب المدينة تُجْري تحقيقها الخاص في جريمة قتل أخي موسى. تسأل كل من عرف أخي، كل من تعرّف عليه أو صادف مروره به في ذاك العام ، عام ١٩٤٢.

بعض جاراتنا تولّيْنَ إطعامي. وأظهرَ لي أطفال الحي الاحترام الذي تمنحه للمريض والمنكسر. لم أمانع حينها صفتي بين أبناء الحي " أخ المقتول". لم أبدأ أعاني من تلك الصفة إلاّ حين بدأت أكبر، حين تعلّمتُ القراءة وأدركتُ المصير الغير منصف الذي تعرض له أخي

أخي الذي قُتِلَ في كتاب.


الختام

أرجو أن تكونوا قد استمتعتم بتلخيصنا لهذا الأسبوع أصدقائي الأعزاء ، وأختم تلخيصنا مع مقطع من مقابلة الروائي الجزائري كامل داود مع مجلة نيويوركر بمناسبة نشر قصته القصيرة على صفحاتها: 




"أنا أعشق الكتابة. أعشق العثور على العبارة المناسبة، والبحث عميقاً خلف كل المظاهر. موسيقى الكلمات هي أنشودة اللغة والحياة. الاستعارة هي هديةٌ من الإله.

 أنا سأكتب، أنا أكتب ، وسأظل دائماً أكتب: الكتابة هي مهنتي وشغفي ، وسأدافع عنها ما حييت.
هي الدليل الدامغ والممارسة الأكيدة لما أعتبره صورةً من صور الحظ: حرّيتي.
لي حقٌ في الحرية لأنني حيّ، 
ولإنّ يوماً ما سأموت.
لهذا.. أنا أكتب."

الروائي الجزائري كامل داود.

وللاطلاع على القصة القصيرة كاملةً باللغة الانجليزية كما نشرتها مجلة نيويوركر على موقعها الالكتروني يرجى الضغط على الرابط التالي:






No comments:

Post a Comment