Sunday, April 3, 2016

كيف تهزم العائق الإبداعي؟




كيف تهزم العائق الإبداعي؟
بقلم: ماريا كونيكوفا
مجلة نيويوركر



How to Beat Writer’s Block?
By: Maria Konnikova
New Yorker


عام 1920 , غراهام غرين , البالغ حينها من العمر ستة عشر عاماً , وبعد 104 أسابيع من الإذلال والمعاناة العقلية , قرر الهرب من المدرسة الداخلية التي يديرها والده. ترك وراءه ملاحظة يعلم بها والديه قراره الهرب من المدرسة والتخلي عن الدراسة. لكن سرعان ما عثروا عليه تائهاً في أرضٍ مهملة قريبة من المدرسة. لشدة قلقهما عليه , قرر والداه إيقافه مؤقتاً عن الدراسة وإخضاعه لعلاجٍ نفسيٍ مكثف. وشكّلت فترة الستة أشهر التي قضاها في العلاج نقطة تحوّلٍ محورية في حياة الروائي البريطاني غراهام غرين.
من جهة هو تخلص من عبء الضغط العصبي الذي تعرض له في المدرسة , ومن جهة أخرى اكتسب أداة تعلمها من العلاج النفسي وستساعده دائماً على تحويل مسار الضغط العصبي من الإجهاد إلى الإنتاج أثناء عملية الكتابة الإبداعية: تلك الأداة هي تدوين أحلامه.
من يعرف الروائي البريطاني غراهام غرين وما تميز به من غزارة في انتاجه الأدبي سيستغرب حتماً من حقيقة أن غرين أيضاً عانى من العائق الإبداعي. وقد مر بتلك التجربة في الخمسينات من عمره حيث عجز عن رؤية تطور أحداث روايته , وأحياناً كان يعجز حتى عن رؤية بدايتها. وفي تلك الأوقات الصعبة أثبتت مذكرة أحلامه أنها حبل النجاة الذي ساعده على تجاوز العائق أمامه.
فبالنسبة لغرين , تدوين الأحلام هو نوعٌ خاص من الكتابة الإبداعية: " فلا أحد اطّلع على حلمك سواك , لا أحد يملك رفع قضية ضدك لوجوده في أحلامك , ولا أحد سيدقق على منطقية الأحداث. لهذا كله فأنت حين تدون أحلامك , تمارس الكتابة الإبداعية متحرراً من كل القيود عليك".
*****
في اللحظة التي خُلِقت فيها الكتابة , خُلِقَ معها العائق الإبداعي. لكن المصطلح المعروف حالياً 
Writer’s block
فقد ظهر في الأربعينيات من القرن الماضي , وأول من أطلقه هو الطبيب النفسي إدموند برغلر   ( Edmund Bergler) . فعلى مدار عقدين من الزمن درس برغلر حالات عديدة لكتّاب ممن يعانون من " عوائق عصبية تحول دون الكتابة " . وقد نتج عن تلك تلك الدراسة تحليله لمصدر العائق وكيفية علاجه.
النتيجة التي وصل إليها تعتمد أولاً على دحض النظريات القائمة حينها:
- استنزاف الكاتب لقصصه
عدم وجود دافع حقيقي ( تعتمد هذه النظرية أن الكاتب متى ما دفع الإيجار فلن يشعر بالضغط المالي المطلوب له ليواظب على الكتابة ) 
-انعدام الموهبة
- الكسل والملل

النظرية التي استنتجها برغلر من دراسته هي أنَّ الكاتب "محلَل نفسي " . فالكاتب لا شعورياً يحاول حل مشاكله النفسية عبر الكتابة. وعليه فالكاتب العاجز هو عاجز نفسياً , والحل لمشكلته هو إخضاعه للعلاج النفسي.
فمتى ما أزال الكاتب العائق النفسي الذي يحول بينه وبين التواصل مع وعيه , حينها تحل المشكلة.

نظرية برغلر نالها نصيبها من التشكيك وذلك لاتساع نطاق نظريته. لكن فريقاً من عالِمَيْ نفس في جامعة ييل : جيروم سينغر ومايكل باريوس ( Jerome Singer ,Michael Barrios) اعتنقا النظرية كأساس لتجربتهما الدراسية في السبيعينات والثمانينات لتحديد بصورة أدق ماهية العائق النفسي وكيفية علاجه.

تم اختيار مجموعة متنوعة من الكتاب ينتمون إلى مختلف مجالات الكتابة الإبداعية ( الخيالي , الواقعي , الشعر , المسرح والسينما ) . بعضهم يعاني من العائق الإبداعي والبعض الآخر يسير إنتاجه جيداً. 
تابع العالمان التطور الانتاجي للمجموعة على مدار شهر , وبعد إخضاعهم لما يقارب ستين اختباراً نفسياً وإجراء مقابلات شخصية , أشارت النتائج الأولية إلى الأمر البديهي:
الكاتب العاجز هو كاتب غير سعيد. 
عوارض الاكتئاب والقلق المرضي ونقد الذات والخجل من النص وضعف الحماس لمشاركته ونشره كانت قوية لدى المجموعة التي تواجه العائق الإبداعي.
عانت المجموعة كذلك من عوارض الوسواس القهري: التكرار , الشك , التأجيل والمماطلة , السعي نحو المثالية. كذلك اظهرت المجموعة عوارض يأس وتجنب العزلة ( وهو أمر مستغرب بما أن العزلة ضرورية للكتابة).
 وليس كل الكتاب العاجزن هم متساوون في اكتئابهم. فهناك أربع مجموعات أساسية يمكن تصنيف الكاتب العاجز وفقاً لها:

المجموعة الأولى - المتوترة:
 هي المجموعة التي يسيطر عليها القلق والتوتر. فالعائق الحقيقي بالنسبة لهم هو التوتر العاطفي الكبير الذي يصاحب عملية الكتابة ويحرمهم من تذوق لذتها. وقد عبّر الكتاب في هذه المجموعة عن افتقادهم لدافع حقيقي للكتابة نتيجة ما يعرضون أنفسهم له من قدر كبير من الشك والنقد الذاتي. فلا نص ينتجه أحدهم يعتبره جيداً كفاية. ورغم عجزهم عن الكتابة , فقدرتهم على التخيل ممتازة.

المجموعة الثانية العدائية:
هي المجموعة التي تعبر عن تعاستها في نوبات الغضب واستفزاز الآخرين. وافتقاد أفراد المجموعة لدافع الكتابة يعود إلى عدم رغبتهم بمقارنة أعمالهم بأعمال الآخرين. ليس من باب الخوف من النقد وحسب, بل بعضهم يخشى على نفسه من "الحسد" إن عرض عمله. القدرة على التخيل لدى تلك المجموعة ممتازة لكنها منصبة على تصور علاقاتهم مع الآخرين.

المجموعة الثالثة اللا مبالية:
تعاني هذه المجموعة حقاً من عجزها عن التخيل, فحتى أحلام اليقظة لا تروادهم. تنقصهم الأصالة في العمل , ودائماً ما يتذمرون من "القيود والقواعد " التي تحد من إبداعهم.

المجموعة الرابعة السلبية:
تصف  المجموعة مشاعرها بالغضب والعداء وخيبة الأمل. تلك المجموعة تسعى لإيجاد دافع خارجي للكتابة يؤدي إلى تلبية احتياجهم إلى لفت الانتباه ونيل الاهتمام والحصول على المكافأة. وتتصف تلك المجموعة أساساً بالنرجسية , وتلك النرجسية هي التي تشكل هويتهم ككتاب. نرجسيتهم هي التي تعوقهم عن الكتابة وتصل بهم إلى حد عدم رغبتهم في مشاركة أعمالهم وتخيلاتهم مع أحد وتفضيل الاحتفاظ بها لأنفسهم.  

بناءً على تلك الدراسة وجد العالمان باريوس وسينجر أن نظرية برجلز كانت خطوة في الاتجاه الصحيح والعائق الإبداعي في جوهره هو عائق نفسي. وبناءً عليه يكمن الحل في توفير العلاج النفسي المناسب لنوع العائق الإبداعي.
لكن لم يكتف العالمان بنتائج تلك الدراسة , إذ أرادا بحث جانب آخر للعائق الإبداعي عدا الجانب النفسي ألا وهو قياس قدرة ووضوح التخيل العقلي لدى أفراد المجموعة.
*****

اقترح العالمان كأسلوب علاج التركيز على تمارين التخيل العقلي. وتم اختيار مجموعة من الكتاب ينتمون للمجموعات النفسية الأربع. وطُلِب منهم الخضوع لبروتوكول تمارين يهدف إلى مساعدتهم على إنتاج صور عقلية ملونة.
يبدأ التمرين مع جلوس الكاتب في غرفة معتمة هادئة , ويطلب منهم تخيل صورة معينة (مثال : مشهد من الطبيعة , مقطوعة موسيقية ) يتأملها في خياله من ثم يدون تفاصيل رؤيته دون وضع أي اعتبار لمنطقية الأحداث أو أي قيود أخرى , تماماً كأنما يدون "حلماً" رآه في المنام. وكل كاتب كان عليه أن يمارس التمرين عشر مرات.
وبعد استمرار التجربة لمدة أسبوعين , لاحظ العالمان نتائج ملموسة وتحسناً ملحوظاً لدى الكُتّاب المشاركين في التمرين. لم ينه التمرين مشكلة العائق الإبداعي لدى الكتاب لكنه أثبت للمشاركين حقيقة امتلاكهم لملكة الإبداع والكتابة , مما زاد من ثقتهم بأنفسهم وحفّز من حماسهم للكتابة.

واستنتج العالمان باريوس وسينجر أن برغلز , وإن كان محقّاً في في الجانب النفسي للعائق , إلا أن هناك جانباً آخر لم يتعرض له  ألا وهو الممارسة. فالتمارين ساعدت الكاتب على تنشيط ملكته الخيالية والكتابية. وهذه النتيجة يدعمها عالم النفس د.سكوت باري كوفكان (  Scott Barry Kaufman ) - محرر كتاب " علم نفس الكتابة الإبداعية " ( The Psychology of Creative Writing  - إذ يؤكد :
" كلما اصطدم الكاتب بعائق إبداعي , عليه أن يواصل الكتابة , كتابة أي  شيءٍ كان سواءً كانت أفكار , خواطر أو معلومات عامة. كل ما عليه أن يفعل هو أن يكتب."
ويؤكد كوفمان أن على الكاتب أن يدرك حقيقة أن الكتابة هي ممارسة طويلة الأمد تمر بمراحل عديدة من التجربة والخطأ , وحتماً سيصادف في عمله أياماً جيدة وأخرى سيئة. وإذا ما أدرك الكاتب تلك الحقيقة فسيتمكن من تجاوز العائق الإبداعي. 
" على الكاتب أن يؤمن بعملية الكتابة , أن يعيَ حقيقة أنَّ الإبداع يتطلب صبراً , ويقوم على تقاطع عوامل وظروف عديدة من حوله. فكل المبدعون مرّوا بسلسلة طويلة من التجارب والأخطاء , ومعظمهم لم يدرك أين سينتهي المطاف بعمله إلا حين وصل نقطة النهاية."
*****
في النهاية على الكاتب أن يتحرّر من سلطة الانتقاد الخارجي والذاتي , ويواصل الكتابة حتى وإن كانت الكتابة هي تدوين أحلامه.
في كتاب غراهام غرين " عالمٌ من صنعي "A World of My Own) والذي نشر فيه مختارات من أحلامه التي دونها في مذكراته , يروي للقارئ الحلم التالي:

كنتُ أكتب نصّاً لأشارك به في مسابقةٍ شعرية , فكتبت بيتاً نصه:
Beauty makes a crime noble    
( الجمال يخلق من الجريمة فعلاً نبيلاً )

وحينها قاطعني نقدٌ من ت.اس.إليوت الواقف خلفي : ما الذي تعنيه؟ كيف للجريمة أن تضحو فعلاً نبيلاً ؟ ما استرعى انتباهي حين التفتُّ إلى إليوت هو شاربه. (في الواقع إليوت لا شارب له )

في الحياة الحقيقة , نقدٌ كهذا من شاعر عظيم كإليوت سيدفع بأي كاتب إلى الشك في قدراته. لكن في عالم الأحلام , فرؤية شاعرٍ عظيم والاستماع لنقده له تأثير إيجابي. فقد يتحول الحلم إلى أساس قصة قصيرة أو رواية أو مسرحية. أو على الأقل ستذكر الكاتب أنه لا يزال قادراً على خلق أمور رائعة وجديدة في خياله حتى وإن بدت سخيفة.

****
رابط المقال الأصلي باللغة الانجليزية: How to Beat Writer's Block

insta: @alif_alyasmeen
eman_assad@hotmail.com

Wednesday, March 30, 2016

التحرُّر من الرواية الاستعمارية : يومَ شقَّ موسى البحر الأبيض المتوسط







“هو روى قصته بلغته. لهذا سأفعل أنا تماماً ما فعله غيري في الجزائر بعد الاستقلال حين جردوا بيوت المستعمرين من أحجارها حجراً حجراً ثم أعادوا منها بناء بيوتهم. نعم .. نعم هكذا سأفعل. سأستولي على لغته وكلماته وتعابيره وأبني منها لغتي أنا.”
  

الاقتباس أعلاه يعود لهارون الشخصية الأساسية في رواية “ مورسو : التحقيق المضاد “ للروائي الجزائري كامل داوود. لمن قرأ رواية الغريب للفرنسي ألبرت كامو التي تقع أحداثها عام ١٩٤٢ سيتعرف على شخصية “ العربي “ المقتول على يد الشخصية الرئيسية للرواية ألا وهو  الفرنسي “ الجزائري “ مورسو، والذي ارتكب جريمته لسببٍ واهٍ. طوال النصف الثاني من رواية الغريب وضمن أحداث محاكمة مورسو لا يرد أي ذكر لتفاصيل حياة العربي ولا حتى إسمه، يكتفى فقط بالإشارة إليه بصفته “العربي” ، كأن الصفة تختزل كل ما يحتاجه الغربي لمعرفته عن تلك الشخصية. فالهويات النمطية من مثل “العربي“  و“الزنجي“ التي تسكن الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط هي قوالب تجسد الفكر الاستعماري والرؤية الأدبية لتلك الشخصيات والتي سيطرت على صناعة الرواية الغربية. أما على الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط فالشخصية الغربية إنسانٌ فردي مستقل له صفاته المميزة والمختلفة والمتباينة عن غيره من الشخصيات، هو شخصية تحتمل الخير والشر وما بينهما ، تحتاج إلى فقرات وأحيانا صفحات ليمنحها الروائي حقها من الوصف. فعلى عكس الشخصية الشرقية ، الشخصية الغربية هي ببساطة إنسانٌ غير نمطي.

في كتابه “ الثقافة والإمبريالية “ يرتكز المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد على دراسة الفكر الاستعماري في الرواية الغربية والدور الذي لعبته في ترسيخ ثقافة الاستعمار وتمكينه لدى شعوب الغرب “المستعمِر” وكذلك لدى شعوب الشرق  “المستعمَر“. فكيف كان للاستعمار أن يدوم كل تلك الحقبة إن لم يكن هناك من وازعٍ أخلاقي بيرر الذهاب إلى أرضٍ بعيدة في سبيل الاستيلاء على ثرواتها واستعباد شعوبها. الأفضلية الأخلاقية وراء بناء الإمبراطوريات الاستعمارية أوجدتها الرواية الغربية ، كما أكد سعيد ، والتي لعبت دوراً أساسياً في ترسيخ الوعي الاستعماري من خلال ترسيخ الهوية النمطية. يكفي فقط أن نأخذ كمثال ما يعتبره الباحثون أول رواية غربية ألا وهي رواية روبنسون كروزو التي صدرت عام ١٧١٩.  الرجل الأبيض المتفوق دينياً وأخلاقياً وعلمياً وحضارياً ، يجد نفسه وحيداً في جزيرة نائية بعد غرق سفينته. وفي يوم يلتقي “بالآخر“ الزنجي الذي يمثل السكان الأصليين، الشخصية الزنجية خرساء لأنها لا تتحدث لغة الغرب وأمية لأنها تجهل القراءة والكتابة بلغة الغرب لذلك فهي لا إسمَ لها ، الإسم يمنحه اياه كروزو فيسميه Friday تيمناً باليوم الذي التقيا فيه. ومع منحه الإسم كأنما الرجل الأبيض أضحى امتداداً لسيد البشر آدم حين أطلق الأسماء على المخلوقات الأدنى منه في ترسيخ للصورة الإنجيلية الغربية عن تفوق الرجل الأبيض على باقي الأجناس والأعراق البشرية. لدى قراءة الرواية سواءً وقع الكتاب بين يدي قارئ غربي أو شرقي فإن تعاطف القارئ ينصب في اتجاه الغربي الذي يعاني في سبيل ترويض وحشية  الشرقي وتنويره وتقديمه لمفهوم الحضارة الإنسانية وتأهيله لخدمة سيده ، إعجاب القارئ واحترامه هو للغربي الذي تمكن بعلمه وحضارته وكتابه من استغلال الموارد الطبيعية المتوافرة في الجزيرة للإبقاء على حياته بعد أن كانت تلك الموارد مهملة على يد سكانها الأصليين. تلك الرواية ، والتي سرعان ما أضحت قصةً كلاسيكية تروى للأطفال ، غرست في الوعي الإنساني التبرير الأخلاقي والسيكولوجي لسيطرة الغرب على الشرق. 

نعود إلى شخصيتنا الرئيسية هارون ، من هو؟ هو أخ العربي المقتول في رواية الغريب . هو من يحمل جثمان أخيه كل تلك السنوات من بعد مقتله ، كما حمل قابيل جثمان أخيه هابيل على ظهره وطاف به الأرض سنوات لأنه جهل كيف يدفنه. وهكذا هو حال هارون، سيدرك أن السبيل الوحيد لدفن أخيه هو في رواية قصته ، لا شفاهةً كما كانت تفعل أمه ، أمه التي كانت تخشى أن ينسى ابنها الجريمة فأخذت تروي له كل ليلة قبل المنام قصة أخيه الأكبر الذي قتله الفرنسي على الشاطئ بأربع رصاصات ومن ثم ابتلعه البحر الأبيض المتوسط، لا .. ليس بأسلوب أمه الحكواتي الشعبي حيث تتبدل أحداث القصة كل ليلة وتمتزج بالأساطير والشعر وبقايا الذاكرة .. بل كتابةً ، بروايةٍ غربية مضادة.“ كيف لنا أن نروي قصتنا للعالم بأسره إن لم نكتبها لكم؟“ هكذا يتساءل هارون ، وهذا تماماً ما فعله الروائي الجزائري كامل داوود. 


عام ٢٠١٣ صدرت الرواية الأولى للروائي الجزائري كامل داوود والتي تحمل عنوان “ مورسو : التحقيق المضاد “ .  في الرواية عمد داوود إلى تفكيك رواية الغريب لكامو حجراً حجراً ، بفلسفتها العبثية وبأحداثها وتعابيرها ، بإطارها الزماني والمكاني وتركيبة شخصياتها وحتى بجملتها الافتتاحية.
الرواية الفرنسية تبدأ بجملة:
أمي ماتت اليوم
الرواية الجزائرية تبدأ بجملة:
أمي لا تزال حية حتى اليوم
ثم عمل على إعادة بناء الأجزاء المفككة في روايته بصوته ومشهديته وبلغته الأدبية، لا اللغة العربية أعني بل اللغة الفرنسية ، لغة المستعمر ، ثم أصدر عمله في فضاء الأدب الروائي الفرنسي. وفي عمق الحراك الثقافي الغربي يعلو صوت هارون ، الراوي الجزائري المضاد للراوي الفرنسي مورسو ، يعيد للمستعمر بناء مشهد الجريمة وما سبقها من ظروف وما تلاها من عواقب على مسمع طالب جامعي فرنسي على أمل أن يحمل جثمان أخيه عن ظهره فيدفنه ويضع على قبره شاهداً يحمل اسمه. بعد عام من نشرها حازت الرواية على جائزة الغونكور الفرنسية للأعمال الأولى ومن بعدها انطلق داوود بروايته  للعالمية مع ترجمة الرواية للغة الانجليزية لتختارها صحيفة نيويورك تايمز ضمن قائمة أقوى الأعمال الروائية العشر للعام ٢٠١٥.

ما حققه داوود في روايته فرنسية اللسان الجزائرية روحاً وهويةً هو ما تحدث إدوارد سعيد عنه فيما يخص مسؤولية رواة وأدباء الشرق في “ إعادة بناء الماضي والتحرر من الوعي الاستعماري من خلال الرواية “.  فبعد إحدى وسبعين عاماً من نشرها عام ١٩٤٢، كل من سيقرأ رواية الغريب منذ اليوم وصاعداً سيرى العربي المقتول - الذي ما لمح منه سوى ظله - سيراه يُبْعث أمامه من أعماق الظلام ، يداه الكبيرتان اللتان حمل بهما أخاه الصغير هارون ، اللتان عمل بهما في العتالة في ميناء بلده المستعمر منذ كان طفلاً تحمّل مسؤولية رعاية أمه وأخيه بعد اختفاء أبيه وقاسيا معه القهر والجوع ،  بتلك اليدين سيشق موج البحر الأبيض المتوسط بين ضفتيه الجنوبية والشمالية ، يمزق إلى نصفين هويته النمطية التي انهارت بمجرد سماعه يُعرِّف القارئ باسمه:
#موسى
#Musa.

إيمان أسعد

insta: @alif_alyasmeen
eman_assad@hotmail.com




Monday, March 14, 2016

ألا هُبّي بصحنكِ فأصْبحينا : تحية الصّباح من معلقة عمرو إلى صورة انستغرام






أَتْذكُر تلك الأيام من العهد الماضي حين كانت صباح الخير هي مجرد تحية تنطق بها أثناء تثاؤبك ، ليرد عليك الآخر التحية بمثلها ، مثلها تماماً ، متثائباً وبملل. لم يعد الأمر كذلك. في عصر الأدب الرقمي صباح الخير هي أكثر تحية ، لا بل أكثر جملة ، تبذل بها جهداً وتتفنن في إبداعها كلمةً وصورة كل صباح. حتى لحظة كتابة هذا السطر من المقال عدد الصور المدرجة تحت هاشتاق #صباح-الخير هي ستة عشر مليوناً ، ثمانمائة واثنان وثمانون ألفاً ومئتا واثنان وخمسون صورة. إن اعتبرنا نصف العدد افتراضاً هو تكرار لتحية صباح الخير دون إبداع فيها ، يتبقى لنا النصف الآخر : أي ثمانية ملايين تركيبة لغوية أدبية ومرئية مختلفة هدفها جميعاً أن تقول للسامع الرائي : يا صباح الخير. وإن افترضنا أن الصورة الواحدة لصباح الخير سيرد على صاحبها خمس متابعون على المعدل - خمسة ضرب ١٦ -  يساوي ٤٠ مليون تحية صباح الخير مخزنة في ذاكرة الفضاء الرقمي. وكل من يمارس الكتابة في عالم الانستغرام يعلم يقيناً أن ساعة الصباح هي الساعة الأهم والأكثر حيوية بين كل الساعات ، لأن الجميع قد استيقظ التو. وكما النائم لحظة ما يفيق من المنام، يمد ذراعه على فراشه باحثاً عن الآخر ليحضنه ويلقي عليه تحية الصباح ، يمد الواحد فينا ذراعه باحثاً عن هاتفه ، ومتى ما حضنه بكفه يتفقد صباحات الجميع ويرد عليهم التحية بأفضل منها. 

هذا التغزل بالصباح وإن كان ضخماً بحجمه الذي نراه عليه الآن ، فهو ليس بأدبٍ دخيل أو جديد على فضاء الأدب العربي. الأربعون مليون تحية صباح الخير لها جذورها الضاربة في العصر الجاهلي ، فمن منّا ينسى تحية عمرو بن كلثوم في معلقته التي تتجاوز أبياتها المئة بيت والتي ابتدأها :

 ألا هُبّي بِصَحْنكِ فاصْبِحينا    ولا تُبقِي خُمورَ الأَنْدَرِينا

 عمرو يوقظ الساقية من منامها لتصبَّ الصباح في قدحه ، داعياً اياها أنْ لا تدخر خمراً من خمور قرى الأندرون في الشام إلا وتصبها في قدحه ليمتزجا سويا لونا النور والخمر. تلك الصورة الشعرية الفائقة الجمال ، تلك التحية الأدبية للصباح والتلذذ بارتشاف نوره ، سعي الروح والجسد والعقل نحو نشوة السعادة وفك الارتباط عن الواقع في تلك اللحظة مع شروق الشمس ، أليست هي ذاتها الصورة ، ذات الإحساس الذي نبحث عنه سواء كنا الطرف الذي يكتب التحية أم الذي يقرأها لينتشي بإيجابيتها ويرد عليها. فما السر الذي أعاد وهج تحية الصباح من شمس الجاهلية إلى شمس أبناء العصر الرقمي؟
سواء كنت طالباً أم موظفاً ، عازباً أم متزوجاً ، ضغوط الحياة اليومية ستجد طريقها لك وتلقي بثقلها عليك معنوياً ومادياً. تلك الهموم اليومية والتوترات العصبية غذّت لدى الكثيرين مشاعر السلبية واليأس خصوصاً في غياب تواصل حقيقي بين أفراد الأسرة الواحدة. وحتى في حال التواصل ضمن البيت الواحد، لن تجد دفقاً إيجابياً ينتظرك متى ما استيقظت ، فالكل على عجلة للذهاب إلى المكان المفترض به أن يسارع إليه، ولكلٍّ مشكلته التي أرقت منامه ، ولكلٍّ أسبابه التي تدعوه أحياناً لعدم الرغبة في إظهار محبته لك وخوض حديثٍ معك ليطمئنك أن اليوم هو يوم جديد بينما هو في حاجة أمسّ منك لمن يطمئنه.  فما الذي يحدث؟ تغادر المنزل صباحاً وأنت تشعر بهمومك وهموم كل من لاقيت في الصباح وقد أثقلت قلبك ، لن تجد في نفسك الرغبة للوقوف لحظة واستيعاب أن اليوم هو بالفعل يوم جديد.
لكن ماذا إن فتحت عينيك ، وقبل أن تنهض عن فراشك دخلت عالم الانستغرام. تلتقط صورة لكتابك الجامعي الذي سهرت الليل لمراجعته قبل الامتحان وتلقي تحية الصباح مع دعاءٍ تطلب فيه التوفيق من الله. تترك هاتفك لتفرك عينيك ، شخصان أعجبا بصورتك . تنهض عن الفراش ، ثلاث أشخاص أخر أعجبوا بوضعك ومنهم من ترك تعليقاً يتمنى فيه لك التوفيق مع صور إيموجي لشمس وكَفَيّ دعاء. تتوجه إلى الحمام ، تتزايد الإعجابات والتعليقات المشجعة. بعد أن تنتهي من ارتداء ملابسك وإعداد نفسك للمغادرة وقبل أن تلمس مقبض باب غرفتك ستستمتع بقراءة تحيات الصباح من أناسٍ تجهلهم تماماً في الحياة لكن شاركوك تلك اللحظة. حينها لن تشعر بالرهبة من الامتحان ، لحظياً لن تشعر به ، لأنك الآن ما عدت مرتبطاً بالواقع بل منتشياً بدفق المحبة يصبه المتابعون لك في صحن حسابك. أنت ما عدت طالباً يعيش في بيت أخيه المتزوج وأبنائه الثلاث لأن أباك طردك من منزله بعد زواجه بأخرى بعد وفاة والدتك. فأنت حين تحرك الشاشة بإبهامك ، ضوؤها الساطع على عينيك يحاكي وهج نور الصباح ، ما أنت عليه حينها هو إنسانٌ محبوبٌ.  هناك في الكون الفسيح خارج نطاق بيتك وحياتك الواقعية من يهتم لسعادتك ، من تعنّى كتابة جملة ( صباح الخير وربي يوفقك ويسعدك ) أسفل صورة كتابك ، أسفل واقع قلقك وهمك وسهرك ووحدتك.
ولإن التحية ترد بأفضل منها تدخل على حسابات متابعيك بادئاً زيارتك بمن كتبوا ، فهؤلاء محبتهم أثملتك أكثر. وكأنهم كانوا في انتظار طلتك عليهم يستقبلوك بصور جميلة لصباحاتهم، هناك الأدعية القرآنية تطلب لك التوفيق واليسر ، هناك الأبيات الشعرية التي تحثك على الدخول في عالم الحب ، هناك النكت الظريفة لرسم ابتسامة صباحية على وجهك تنسيك امتحانك، وهناك الصور الشخصية يبتسم فيها أصحابها لك يذكرونك بمدى جمال الصباح الذي ينتظرك.  تغادر غرفتك وتلتقي بأخيك ينتظر على الأريكة في الصالون انتهاء زوجته من إعداد أبنائه للمدرسة ، تلقي عليه عرضاً صباح الخير وهو لن يرد عليك ، أو ربما رد عليك لكنه قالها بينما يرتشف الشاي دون أن ينظر إليك فضاعت التحية في فوضى حواس السمع والبصر والنطق. لكنك لن تحزن، وربما لن تذكر تلك الحادثة بمجرد خروجك من البيت، لأن عيناك لا تزالان مثبتتان على الشاشة ، ودفق الصباحات الرقمية بلونها الخمري لا تزال تنهال في صحنك الوضّاء.

فلنتخيل سوياً عمرو بن كلثوم طالباً جامعياً وكاتباً حديثاً في عصر الانستغرام والأدب الرقمي. يستيقظ عمرو مبكراً ، قبل أن يتوجه إلى جامعته ، وقبل أن يرى أياً من أهل بيته ، يتوجه السادسة والنصف صباحاً نحو مقهى ستاربكس. الساقية في انتظاره ولا داعٍ له ليوقظها ، هي تعرف مسبقاً طلبه لأن هذا ما اعتاد على طلبه كل صباح لما يزيد عن عام. ستحييه بابتسامتها المعهودة مناديةً اياه بإسمه الذي حفظته كما حفظت طلبه فينتشي لسماع اسمه تنطق به بغنج ، تسأله عن حاله وهو سيجيب عليها بابتسامة عريضة أنه بأفضل حال. يدفع لها مقابل القهوة وتسلمه قدحاً مصنوعاً من ورق، بدل خمر الأندرون قهوة كولومبيا مع حليب خالي الدسم. معه في المقهى فقط ثلاث أشخاص: رجلٌ ، وامرأتان لا يعرف عنهما سوى الاسمين المكتوبين على قدحيهما : هند وليلى. كل واحدة منهما وضعت حقيبتها ذات الماركة العالمية على طاولتها تتفاخر بها أمام غريمتها الجالسة في الجهة المقابلة لها. أما الرجل فلا رأس له لأنه مختبئ خلف الجريدة . يجلس عمرو مقابله ويلفت نظره على الصفحة الأولى العنوان الرئيسي : بعد خمس سنوات من القصف والقتل والخراب: الدماء تحولت خمراً في أندرون الشام.  مستوحياً من تلك اللحظة التي عاشها التو ، ينظم عمرو البيت الأول من معلقته، وسيكتفي فقط بالبيت الأول ولن يزيد أبياتاً أخرى لأنه محدود بعدد الأحرف ( هو ينوي نشرها كذلك على حائط حسابه في تويتر ) ويخشى أن يهرب المتابعون من صباحه إن لحظوا وجود الأسطر العديدة. يلتقط عمرو صورة ليده وهي تمسك قدح الورق مكتوبٌ عليه اسمه باللغة الانجليزية ، ومن خلف القدح انعكاس ضوء الشمس على النافذة ، ثم يعرض الصورة مع بيت الشعر

ألا هُبّي بِصَحْنكِ فاصْبِحينا  
.

  ولا تُبقِي خُمورَ الأَنْدَرِينا

 وعلى رأس الهاشتقات العديدة التي سيضيفها متضمنةً كل العواصم والبلدان العربية ، لكل متابعيه العرب النائمين في انتظار شمس يوم جديد: 
#صباح-الخير.

إيمان أسعد
 @alif_alyasmeen


Wednesday, February 3, 2016

قهوةٌ وكتاب: الصورة التي أعادت للقارئة العربية عنفوانها


قهوةٌ وكتاب
الصورة التي أعادت للقارئة العربية عنفوانها






كلَّ صباح ، تدخل المقهى حاملةً معها كتاب. تضعه بتأنٍ على الطاولة ثم تتجه لطلب قهوتها. متى ما جلست ، رتبت الزاوية الأفضل لوضع فنجان القهوة ، فتحت كتابها على الصفحة التي تود مشاركتها ، فتحت حقيبتها ، سحبت هاتفها ، التقطت الصورة وعرضتها على الانستغرام مع تعليقها اليومي:
 ما أحلى الصباح برفقة قهوة وكتاب.

مثلها الآلاف من القارئات في مختلف أنحاء الوطن العربي ومن كل الثقافات. لا تمرُّ ساعة دون أن تلتقط إحداهن صورةً لكتابها وقهوتها. تحت الصورة تعليقٌ أو اقتباسٌ مفضل أو نقدٌ لمضمون الكتاب سواءً نال إعجابها أم لم ينله. هذه الظاهرة  في الوطن العربي ، وإن بدت فردية بحكم كونها فعلاً شخصياً، إلا أنها تجسد توجهاً اجتماعياً ثقافياً  جديداً للمرأة العربية. وفي زمن تنادي به المرأة بدور ثقافي أكبر، قد تكون تلك الصورة هي الأنسب لتمثل شعار المرحلة الجديدة.

فلنبدأ بالقهوة. في الوطن العربي وطوال العقود الماضية اقتصر مفهوم المقهى اجتماعياً على الحضور الرجالي لتبادل الأحاديث ومتابعة مباريات كرة القدم  على شاشة تلفاز واحدة ورمي الزهر ولعب الطاولة في جوٍ معبق بالسجائر والأصوات العالية. المقاهي التي كان يمكن للنساء ارتيادها كانت محدودة ، وربما كان لها طابع اجتماع عاشقين في الخفاء بعيداً عن أعين الجميع. مع قدوم ثقافة ستاربكس وما تبعها من مقاهٍ مماثلة ، ما عاد معيباً للفتاة أو المرأة التوجه إلى المقهى والجلوس فيه لساعات ، إمّا للقراءة أو الدراسة أو تبادل الحديث مع صديقاتها. حتى وإن ضمَّ المقهى رواداً من الجنسين، إن كانت فرداً أو ضمن مجموعة، فبيئة المقهى المحافظة اجتماعياً وتوزيع الطاولات تضمن لها خصوصيتها، حتى أنَّ هناك من تنسى أنها في مكان عام فتخلع حذاءها ( في العادة من يفعل ذلك هنَّ الفتيات ) وتتربع على المقعد مستغرقةً في قراءتها. شرب القهوة خارجاً من بعد أن كان حكراً على الرجال ، تحول طقساً نسائياً لا تستغني عنه الفتاة والمرأة العربية.

ليس كل النساء. المرأة العاملة براتبٍ مجزٍ أو مدخولٍ عالٍ، أو الفتاة التي يعولها والدان مقتدران على مصروف القهوة اليومية حيث أدنى سعر لها لا يقل عن خمس دولارات، هي القادرة على رفاهية قهوة ستاربكس وأخواتها. لكن حتى من لا تسمح ظروفها بالخروج ، أو من لا تقدر مادياً على تحمل ميزانية الصرف اليومي على القهوة الأمريكية، لم تتخل عن حقِّ وجودها في عالم صورة القهوة والكتاب بإطارها “ البرجوازي “ كما يسميه بعض المثقفين من الزمن القديم ممن تستفزهم تلك الظاهرة. فبسعر ثلاث أكواب قهوة لدى ستاربكس ، لها أن تشتري البن وتعد قهوتها وتصبها في فنجانها المزخرف بأزهى الألوان وتفتخر بعرضه جانب كتابها في خصوصية منزلها. إذن ، بالنسبة للمرأة ، الكتاب هو النجم الأهم في الصورة لا القهوة. 

على المستوى الثقافي ، وعلى الأخص في الوطن العربي ، اعتاد الوجود الثقافي على كونه نادياً حصرياً لمجموعات صغيرة تحكم فيها الأهواء والمصالح على أحقية الانضمام إليها. حتى أن الوجود النسائي فيه كان يتطلب من المرأة العربية التحلي بتوجه ليبرالي قد لا ترتاح له المرأة المحافظة التي تجسد النسبة الأكبر من المجتمع العربي. كذلك الصفحات الثقافية في الصحف ، تحتكرها أسماء وشخصيات يصعب على من لا يدور في فلكها الفكري والسياسي التعبير فيها إن كان يملك رأياً أو نقداً في كتاب. ولغياب حراك ثقافي تفاعلي ظاهر في مجتمع القراء ، تجد المثقفين العرب المنتمين للنواد الحصرية دائماً ما يرددون مانترا عدم إقبال القارئ العربي على الكتاب. أين هو القارئ؟ أين هي القارئة؟ دائماً ما كان هذا السؤال.

ثم ظهر الانستغرام. ومعه ظهرت صورة القهوة والكتاب. إن كنت قارئاً تبحث عن حسابٍ تتبعه يشاركك حب القراءة، تلك الصورة ، هي الدلالة التي تبحث عنها. شيئاً فشيئاً ، تلك النقط البعيدة عن بعضها تباعدَ النجوم في السماء للقراء العرب في كل مكان ، تواصلت. خطوط التواصل الاجتماعي خلقت من تلك النقاط المتناثرة ، التي مارست وحيدةً في الظل شغف القراءة ، مجتمعاً ثقافياً واحداً له اليوم السلطة الأكبر في الحراك الثقافي والكلمة العليا في التسويق التجاري للكتاب. والقارئة العربية ، ليبرالية كانت أم محافظة ، متحررة أم متدينة ، موظفة، طالبة، أم ربة بيت، كلهن قارئات فاعلات في تشجيع القراءة وارتفاع مبيعات الكتب. تحت صورة واحدة، تجتمع القارئة المغربية بالقارئة الكويتية بالقارئة الكردستانية بالقارئة الإماراتية بالقارئة العمانية بالقارئة العراقية بالقارئة الأردنية بالقارئة المصرية بالقارئة الفلسطينية بالقارئة البحرينية والقارئة السعودية وكل القارئات العربيات. لها أن تعرض اقتباسها المفضل ، لها أن تعبر عن رأيها حقيقةً في مضمون الكتاب وتضع تقييمها عليه بمقياس الخمس نجمات كما يحق لأي ناقدٍ في صفحة ثقافية. ولأن القراءة بفعل هذه الصورة تحولت من فعلٍ جامدٍ منعزل من خلف بابٍ مغلق إلى نشاط حيٍّ متفاعل مع المتابعين والمتابعات، تسارعت لدى المرأة العربية وتيرة القراءة. ما عادت تكتفي بقراءة مجموعة كتب بعدد أصابع اليد كل عام، بل دخلت في تحدي الخمسين كتاب والمئة كتاب، حتى أن عدداً كبيراً منهن دخل مؤخراً تحدي قراءة سبعة كتب في سبعة أيام.التحدي الأخير تضمن كتباً ذات حجم صغير أغلبها مجموعات قصصية، وبالطبع لن تجد الأخوة كارامازوف ضمن مجموعة تحدي السبعة أيام، حتى ديستوفسكي نفسه سيعجز عن انهائها في تلك الفترة! لكن حتماً كانت لتلك الرواية وجودها القوي ضمن التحدي الأول والثاني هذا العام. مما يؤكد أن وتيرة السرعة في القراءة ليست هي العامل الوحيد الذي أخذ بالتصاعد، بل حتى نوعية الكتب التي بدأت أغلبها بتنمية الذات ، لكونها الأسهل والأقرب والأكثر تشجيعاً للمرأة على ممارسة ما يسعدها، تصاعدت مستوياتها حتى وصلت لروايات الأدب العالمي والعربي - الكلاسيكي والمعاصر - وكتب الفكر و الدين والفلسفة.  

ومع غياب دور الناشر العربي في التسويق، غيابٌ أقرب ما يكون لغيبوبة ، أضحت منية أي كاتبٍ عربي ، المخضرم فيهم والجديد، أن يكون الكتاب الذي وضعته القارئة العربية التو على طاولتها إلى جانب قهوتها استعدادًا لالتقاط صورتها الصباحية، كتاباً يحمل اسمه على غلافه.
الصورة
قهوة وكتاب
هاشتاق
#نساءـأمةـاقرأـيقرأن 
بكل احتراف وجدية.



إيمان أسعد
alif_alyasmeen@ 

eman_assad@hotmail.com

تم نشر المقال في العدد الأول من سلسلة كتاب الخامس عشر الصادر في شهر يناير عام ٢٠١٦
insta: @our15th