قهوةٌ وكتاب
الصورة التي أعادت للقارئة العربية عنفوانها
كلَّ صباح ، تدخل المقهى حاملةً معها كتاب. تضعه بتأنٍ على الطاولة ثم تتجه لطلب قهوتها. متى ما جلست ، رتبت الزاوية الأفضل لوضع فنجان القهوة ، فتحت كتابها على الصفحة التي تود مشاركتها ، فتحت حقيبتها ، سحبت هاتفها ، التقطت الصورة وعرضتها على الانستغرام مع تعليقها اليومي:
ما أحلى الصباح برفقة قهوة وكتاب.
ما أحلى الصباح برفقة قهوة وكتاب.
مثلها الآلاف من القارئات في مختلف أنحاء الوطن العربي ومن كل الثقافات. لا تمرُّ ساعة دون أن تلتقط إحداهن صورةً لكتابها وقهوتها. تحت الصورة تعليقٌ أو اقتباسٌ مفضل أو نقدٌ لمضمون الكتاب سواءً نال إعجابها أم لم ينله. هذه الظاهرة في الوطن العربي ، وإن بدت فردية بحكم كونها فعلاً شخصياً، إلا أنها تجسد توجهاً اجتماعياً ثقافياً جديداً للمرأة العربية. وفي زمن تنادي به المرأة بدور ثقافي أكبر، قد تكون تلك الصورة هي الأنسب لتمثل شعار المرحلة الجديدة.
فلنبدأ بالقهوة. في الوطن العربي وطوال العقود الماضية اقتصر مفهوم المقهى اجتماعياً على الحضور الرجالي لتبادل الأحاديث ومتابعة مباريات كرة القدم على شاشة تلفاز واحدة ورمي الزهر ولعب الطاولة في جوٍ معبق بالسجائر والأصوات العالية. المقاهي التي كان يمكن للنساء ارتيادها كانت محدودة ، وربما كان لها طابع اجتماع عاشقين في الخفاء بعيداً عن أعين الجميع. مع قدوم ثقافة ستاربكس وما تبعها من مقاهٍ مماثلة ، ما عاد معيباً للفتاة أو المرأة التوجه إلى المقهى والجلوس فيه لساعات ، إمّا للقراءة أو الدراسة أو تبادل الحديث مع صديقاتها. حتى وإن ضمَّ المقهى رواداً من الجنسين، إن كانت فرداً أو ضمن مجموعة، فبيئة المقهى المحافظة اجتماعياً وتوزيع الطاولات تضمن لها خصوصيتها، حتى أنَّ هناك من تنسى أنها في مكان عام فتخلع حذاءها ( في العادة من يفعل ذلك هنَّ الفتيات ) وتتربع على المقعد مستغرقةً في قراءتها. شرب القهوة خارجاً من بعد أن كان حكراً على الرجال ، تحول طقساً نسائياً لا تستغني عنه الفتاة والمرأة العربية.
ليس كل النساء. المرأة العاملة براتبٍ مجزٍ أو مدخولٍ عالٍ، أو الفتاة التي يعولها والدان مقتدران على مصروف القهوة اليومية حيث أدنى سعر لها لا يقل عن خمس دولارات، هي القادرة على رفاهية قهوة ستاربكس وأخواتها. لكن حتى من لا تسمح ظروفها بالخروج ، أو من لا تقدر مادياً على تحمل ميزانية الصرف اليومي على القهوة الأمريكية، لم تتخل عن حقِّ وجودها في عالم صورة القهوة والكتاب بإطارها “ البرجوازي “ كما يسميه بعض المثقفين من الزمن القديم ممن تستفزهم تلك الظاهرة. فبسعر ثلاث أكواب قهوة لدى ستاربكس ، لها أن تشتري البن وتعد قهوتها وتصبها في فنجانها المزخرف بأزهى الألوان وتفتخر بعرضه جانب كتابها في خصوصية منزلها. إذن ، بالنسبة للمرأة ، الكتاب هو النجم الأهم في الصورة لا القهوة.
على المستوى الثقافي ، وعلى الأخص في الوطن العربي ، اعتاد الوجود الثقافي على كونه نادياً حصرياً لمجموعات صغيرة تحكم فيها الأهواء والمصالح على أحقية الانضمام إليها. حتى أن الوجود النسائي فيه كان يتطلب من المرأة العربية التحلي بتوجه ليبرالي قد لا ترتاح له المرأة المحافظة التي تجسد النسبة الأكبر من المجتمع العربي. كذلك الصفحات الثقافية في الصحف ، تحتكرها أسماء وشخصيات يصعب على من لا يدور في فلكها الفكري والسياسي التعبير فيها إن كان يملك رأياً أو نقداً في كتاب. ولغياب حراك ثقافي تفاعلي ظاهر في مجتمع القراء ، تجد المثقفين العرب المنتمين للنواد الحصرية دائماً ما يرددون مانترا عدم إقبال القارئ العربي على الكتاب. أين هو القارئ؟ أين هي القارئة؟ دائماً ما كان هذا السؤال.
ثم ظهر الانستغرام. ومعه ظهرت صورة القهوة والكتاب. إن كنت قارئاً تبحث عن حسابٍ تتبعه يشاركك حب القراءة، تلك الصورة ، هي الدلالة التي تبحث عنها. شيئاً فشيئاً ، تلك النقط البعيدة عن بعضها تباعدَ النجوم في السماء للقراء العرب في كل مكان ، تواصلت. خطوط التواصل الاجتماعي خلقت من تلك النقاط المتناثرة ، التي مارست وحيدةً في الظل شغف القراءة ، مجتمعاً ثقافياً واحداً له اليوم السلطة الأكبر في الحراك الثقافي والكلمة العليا في التسويق التجاري للكتاب. والقارئة العربية ، ليبرالية كانت أم محافظة ، متحررة أم متدينة ، موظفة، طالبة، أم ربة بيت، كلهن قارئات فاعلات في تشجيع القراءة وارتفاع مبيعات الكتب. تحت صورة واحدة، تجتمع القارئة المغربية بالقارئة الكويتية بالقارئة الكردستانية بالقارئة الإماراتية بالقارئة العمانية بالقارئة العراقية بالقارئة الأردنية بالقارئة المصرية بالقارئة الفلسطينية بالقارئة البحرينية والقارئة السعودية وكل القارئات العربيات. لها أن تعرض اقتباسها المفضل ، لها أن تعبر عن رأيها حقيقةً في مضمون الكتاب وتضع تقييمها عليه بمقياس الخمس نجمات كما يحق لأي ناقدٍ في صفحة ثقافية. ولأن القراءة بفعل هذه الصورة تحولت من فعلٍ جامدٍ منعزل من خلف بابٍ مغلق إلى نشاط حيٍّ متفاعل مع المتابعين والمتابعات، تسارعت لدى المرأة العربية وتيرة القراءة. ما عادت تكتفي بقراءة مجموعة كتب بعدد أصابع اليد كل عام، بل دخلت في تحدي الخمسين كتاب والمئة كتاب، حتى أن عدداً كبيراً منهن دخل مؤخراً تحدي قراءة سبعة كتب في سبعة أيام.التحدي الأخير تضمن كتباً ذات حجم صغير أغلبها مجموعات قصصية، وبالطبع لن تجد الأخوة كارامازوف ضمن مجموعة تحدي السبعة أيام، حتى ديستوفسكي نفسه سيعجز عن انهائها في تلك الفترة! لكن حتماً كانت لتلك الرواية وجودها القوي ضمن التحدي الأول والثاني هذا العام. مما يؤكد أن وتيرة السرعة في القراءة ليست هي العامل الوحيد الذي أخذ بالتصاعد، بل حتى نوعية الكتب التي بدأت أغلبها بتنمية الذات ، لكونها الأسهل والأقرب والأكثر تشجيعاً للمرأة على ممارسة ما يسعدها، تصاعدت مستوياتها حتى وصلت لروايات الأدب العالمي والعربي - الكلاسيكي والمعاصر - وكتب الفكر و الدين والفلسفة.
ومع غياب دور الناشر العربي في التسويق، غيابٌ أقرب ما يكون لغيبوبة ، أضحت منية أي كاتبٍ عربي ، المخضرم فيهم والجديد، أن يكون الكتاب الذي وضعته القارئة العربية التو على طاولتها إلى جانب قهوتها استعدادًا لالتقاط صورتها الصباحية، كتاباً يحمل اسمه على غلافه.
الصورة
قهوة وكتاب
هاشتاق
#نساءـأمةـاقرأـيقرأن
بكل احتراف وجدية.
إيمان أسعد
alif_alyasmeen@
eman_assad@hotmail.com
تم نشر المقال في العدد الأول من سلسلة كتاب الخامس عشر الصادر في شهر يناير عام ٢٠١٦
insta: @our15th
تم نشر المقال في العدد الأول من سلسلة كتاب الخامس عشر الصادر في شهر يناير عام ٢٠١٦
insta: @our15th
No comments:
Post a Comment