Wednesday, September 6, 2017

بين "ربيع" قادري و"خريف" سميث : مقارنة أدبية







أحياناً تشاء الصدف أن تقرأ عملين أدبيين بشكل متتالي لروائيين مختلفين، من بلدين مختلفين، من جيلين مختلفين وخلفيتين ثقافتين مختلفتين، ومع ذلك تشعر وكأنك لا تزال في العالم الروائي ذاته. وهذا ما شعرت به لدى قراءتي للروايتين: ” زهور الربيع ، صقيع الربيعللروائي الألباني إسماعيل قادري، وروايةالخريفللروائية الاسكتلندية آلي سميث
الروايتان تتناولان بشكل رئيسي صدمة الشعب لدى خروجه من نظام سياسي اعتاد عليه. في روايةالربيعالشعب هو الشعب الألباني وصدمة سقوط النظام الشيوعي الذي عاش تحته لخمسين عاماً. أما مع روايةالخريففالشعب هو الشعب البريطاني وصدمة خروجه من الاتحاد الأوروبي نتيجة  استفتاء بريكسيت. وردة الفعل على صدمة مثل هذه تجسدت في الروايتين في القفز إلى الوراء. في ألبانيا تجسد بإحياء النظام القبلي المتمثل بأسطورةكتاب الدموهو كتاب يقال أن كل الثارات القبلية مسجلة فيه، ومع سقوط الشيوعية حيث منع الأخذ بالثأر، ارتد الشعب إلى القبلية والمطالبة بالثأر من بعضه البعض ، مما يعني تفشي العنف بين أفراد الشعب الواحد. وبدل الخوف الذي كان يشعر به كل أفراد الشعب من النظام الديكتاتوري ، تحول الخوف إلى الخوف من الآخر ، من الجار، من الزميل ، وحتى من الحبيب. والكل بحكم الثأر أصبح مهدداً بالقتل، والأسوأ، أنه أصبح مهدداً كذلك بالتحول إلى قاتل ليأخذ بثأر عائلته وقبيلته عن جريمة قد تعود لعشرات السنين
أما مع بريطانيا فالقفزة إلى الوراء تجسدت في تفشي العنصرية من جديد، وفي البلدة الواحدة أصبح من ينادي جهاراً بطرد جيرانه ممن ينتمون إلى أصول مهاجرة حتى وإن استوطنوا بريطانيا لأكثر من جيل. عبارة ”Go Home“ أخذت ترش على أبواب البيوت التي يقطنها ذوو الأصول المهاجرة مما يعيد إلى الذاكرة الجمعية بداية المد النازي مع استهداف بيوت اليهود برسم نجمة داوود على أبوابها مع عبارات عنصرية تطالب بطردهم وترحيلهم.
وأكثر العناصر المشتركة وضوحاً هو اعتماد كلا الروائيين على فصل من فصول السنة في اختياره لعنوان روايته. فقادري اعتمد فصل الربيع، وبالذات الفترة التي يبدأ فيها الثلج بالذوبان حيث تستيقظ الأفاعي التي قضت الشتاء في سباتٍ كامل وتخرج من مخابئها، تماماً مثل الكراهية التي عاشت في سبات تحت ثلج الشيوعية فاستفاقت وأضحت تهدد الشعب بأكمله.
أما سميث فاعتمدت فصل الخريف، الفصل الذي تتعرى فيه الأشجار من أوراقها. فكانت الصورة المجازية لتعري السياسيين والإعلام من أكاذيبهم، وتعري العنصريين من خوفهم، وتعري الدولة بقرارها الاستفتاء من الحكمة، وهاهو الشعب أضحى مهدداً بالانقسام الحقيقي بين كتلتين شعبيتين ، إحداهما تعمل على جر بريطانيا إلى الوراء والتقوقع على نفسها، والأخرى تسعى للانفتاح على المستقبل والاندماج مع الآخر.

وفي كلتا الروايتين، نرى المشهد الاجتماعي والسياسي بعيني المثقف. فالراوي في روايةالربيعرسام في بداية العشرينات من عمره، ويعمل في مركز الفنون في منطقة جبلية ريفية محافظة. أما الراوي في روايةالخريففهي محاضرة في الأدب من أصول مهاجرة تعمل على بند المكافأة مما يعني أن وظيفتها غير مستقرة وقد يتم الاستغناء عنها بأي وقت. ومع الراويين، ندرك قدرة المثقف على رؤية الأمور على حقيقتها، لكن وفي نفس الوقت نعيش عجزه التام عن فعل أي شيء،  وكأنه الصوت الذي يصدح وحيداً في البراري.

ثيمة الوقت هي أيضاً عنصر مشترك بين الروايتين، ففي كل روايةٍ منهما هناك قصتان متوازيتان، إحداهما تقع أحداثها في الماضي والأخرى في الوقت المعاصر، فتتجلى لنا حقيقة إن أردتَ فهم ما يجري في الحاضر فعليك أن تعود بالوراء إلى الماضي، لتكتشف أنَّ ما ظننته قد وقع فجأةً إنما هو نتيجة حتمية لما كان يجرى لأعوام. إسماعيل قادري يشبه تلك الحقيقة في روايته برأس جبل الجليد الذي أطاح بتيتانك، فالكل تحدث عن القمة، والكل تجاهل الجبل تحت البحر.
ومتابعةً لصورة رأس جبل الجليد، فالجدير بالذكر أن كلتا الروايتين تأثرتا بكافكا. ففي روايةالربيع" مشهد يحقق فيه ضابط أمن الدولة مع رأس جبل الجليد لتحديد مسؤوليته عن مقتل ركاب تيتانك، ونرى فيه رأس جبل الجليد يحاول تفسير الظروف وراء ارتكابه الجريمة غير المقصودة للضابط. وتلك ليست الصورة الوحيدة التي تجسد تأثر قادري بكافكا، فهناك صور عديدة أخرى ومن أهمها القصة الشعبية عن الرجل الأفعى، أفعى في النهار وإنسان في الليل، لكن لا الأفعى واعية لوجودها كرجل ولا الرجل واعٍ لوجوده كأفعى. والتأثر بكافكا نجده في روايةالخريفوإن بدرجة أقل و وذلك مع صورة الرجل الذي يتحول إلى شجرة. ووجود العنصر الأدبي لكافكا في كلتا الروايتين إنما يعبر عن الازدواجية التي نعيشها وسرعان ما تسقط أقنعتها متى ما تعرض الناس لصدمة قوية مثل صدمة التغيير في النظام.

العنصر الأخير المشترك هو علاقة كلٍّ من الروايتين بأوروبا. ففي رواية إسماعيل قادري هناك تشاؤم وامتعاض من محاولة النظام الألباني الحديث الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي واضطراره إلى الخضوع لإملاءات الاتحاد على الدولة إذا ما أرادت الاستفادة من المعونات، وكأن ألبانيا انتقلت من دكتاتورية الشيوعية إلى دكتاتورية العولمة الجديدة.
وعلى النقيض من ذلك، نجد في رواية آلي سميث مشاعر الحزن الشديد والخيبة الكبيرة من قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي ، وكأن بريطانيا بقرارها هذا قررت القفز من سفينة الحريات الإنسانية وسياسة الحدود المفتوحة واستقبال المهاجرين والعودة إلى سفينة الامبريالية الاستعمارية وما تحمله من عنصرية وإحساس بالتفوق الأبيض الذكوري.

في النهاية إحدى الروايتين تنتهي بالبكاء ، والأخرى ببارقة أمل ، مع الاقتباسين التاليين أترك لكم اختيار أي اقتباس يعود لأي رواية.

الأشجار تكشف هياكلها. ها هي جمرة النار تشتعل في الهواء، وها هي الأرواح تطوف وتعيث في الأرض الفساد. لكن الأزهارَ هناك، لا تزال الأزهارُ هناك. في الرطوبة والبرد، على شجيرةٍ تبدو وكأنها فارقت الحياة، هناك زهرة تفتحت بتلاتها على أوسع مدى، ولا تزال بعدُ هناك.
انظر. تمعن لونها.“

السحب تجمدت في مكانها، والطيور التي بدت لنا متواطئة ها قد طارت بعيداً. الأيام تبدو وكأنها بداية فصل أو نهاية فصل، هي ذاتها الأيام التي آمن الناس أن الآلهة هجرت فيها الأرض. السماء ثكلى دون أسيادها، السماء في حدادٍ حتى نهاية الزمان. من يدري لم هجرتنا الآلهة؟ ومن يدرى إلى أي بقعةٍ في هذا الكون فرت؟


رحلت ولم تترك لنا خياراً سوى البكاء.“

Spring Flowers, Spring Frost
Ismail Kadare

Autumn
Ali Smith


No comments:

Post a Comment