Wednesday, February 3, 2016

قهوةٌ وكتاب: الصورة التي أعادت للقارئة العربية عنفوانها


قهوةٌ وكتاب
الصورة التي أعادت للقارئة العربية عنفوانها






كلَّ صباح ، تدخل المقهى حاملةً معها كتاب. تضعه بتأنٍ على الطاولة ثم تتجه لطلب قهوتها. متى ما جلست ، رتبت الزاوية الأفضل لوضع فنجان القهوة ، فتحت كتابها على الصفحة التي تود مشاركتها ، فتحت حقيبتها ، سحبت هاتفها ، التقطت الصورة وعرضتها على الانستغرام مع تعليقها اليومي:
 ما أحلى الصباح برفقة قهوة وكتاب.

مثلها الآلاف من القارئات في مختلف أنحاء الوطن العربي ومن كل الثقافات. لا تمرُّ ساعة دون أن تلتقط إحداهن صورةً لكتابها وقهوتها. تحت الصورة تعليقٌ أو اقتباسٌ مفضل أو نقدٌ لمضمون الكتاب سواءً نال إعجابها أم لم ينله. هذه الظاهرة  في الوطن العربي ، وإن بدت فردية بحكم كونها فعلاً شخصياً، إلا أنها تجسد توجهاً اجتماعياً ثقافياً  جديداً للمرأة العربية. وفي زمن تنادي به المرأة بدور ثقافي أكبر، قد تكون تلك الصورة هي الأنسب لتمثل شعار المرحلة الجديدة.

فلنبدأ بالقهوة. في الوطن العربي وطوال العقود الماضية اقتصر مفهوم المقهى اجتماعياً على الحضور الرجالي لتبادل الأحاديث ومتابعة مباريات كرة القدم  على شاشة تلفاز واحدة ورمي الزهر ولعب الطاولة في جوٍ معبق بالسجائر والأصوات العالية. المقاهي التي كان يمكن للنساء ارتيادها كانت محدودة ، وربما كان لها طابع اجتماع عاشقين في الخفاء بعيداً عن أعين الجميع. مع قدوم ثقافة ستاربكس وما تبعها من مقاهٍ مماثلة ، ما عاد معيباً للفتاة أو المرأة التوجه إلى المقهى والجلوس فيه لساعات ، إمّا للقراءة أو الدراسة أو تبادل الحديث مع صديقاتها. حتى وإن ضمَّ المقهى رواداً من الجنسين، إن كانت فرداً أو ضمن مجموعة، فبيئة المقهى المحافظة اجتماعياً وتوزيع الطاولات تضمن لها خصوصيتها، حتى أنَّ هناك من تنسى أنها في مكان عام فتخلع حذاءها ( في العادة من يفعل ذلك هنَّ الفتيات ) وتتربع على المقعد مستغرقةً في قراءتها. شرب القهوة خارجاً من بعد أن كان حكراً على الرجال ، تحول طقساً نسائياً لا تستغني عنه الفتاة والمرأة العربية.

ليس كل النساء. المرأة العاملة براتبٍ مجزٍ أو مدخولٍ عالٍ، أو الفتاة التي يعولها والدان مقتدران على مصروف القهوة اليومية حيث أدنى سعر لها لا يقل عن خمس دولارات، هي القادرة على رفاهية قهوة ستاربكس وأخواتها. لكن حتى من لا تسمح ظروفها بالخروج ، أو من لا تقدر مادياً على تحمل ميزانية الصرف اليومي على القهوة الأمريكية، لم تتخل عن حقِّ وجودها في عالم صورة القهوة والكتاب بإطارها “ البرجوازي “ كما يسميه بعض المثقفين من الزمن القديم ممن تستفزهم تلك الظاهرة. فبسعر ثلاث أكواب قهوة لدى ستاربكس ، لها أن تشتري البن وتعد قهوتها وتصبها في فنجانها المزخرف بأزهى الألوان وتفتخر بعرضه جانب كتابها في خصوصية منزلها. إذن ، بالنسبة للمرأة ، الكتاب هو النجم الأهم في الصورة لا القهوة. 

على المستوى الثقافي ، وعلى الأخص في الوطن العربي ، اعتاد الوجود الثقافي على كونه نادياً حصرياً لمجموعات صغيرة تحكم فيها الأهواء والمصالح على أحقية الانضمام إليها. حتى أن الوجود النسائي فيه كان يتطلب من المرأة العربية التحلي بتوجه ليبرالي قد لا ترتاح له المرأة المحافظة التي تجسد النسبة الأكبر من المجتمع العربي. كذلك الصفحات الثقافية في الصحف ، تحتكرها أسماء وشخصيات يصعب على من لا يدور في فلكها الفكري والسياسي التعبير فيها إن كان يملك رأياً أو نقداً في كتاب. ولغياب حراك ثقافي تفاعلي ظاهر في مجتمع القراء ، تجد المثقفين العرب المنتمين للنواد الحصرية دائماً ما يرددون مانترا عدم إقبال القارئ العربي على الكتاب. أين هو القارئ؟ أين هي القارئة؟ دائماً ما كان هذا السؤال.

ثم ظهر الانستغرام. ومعه ظهرت صورة القهوة والكتاب. إن كنت قارئاً تبحث عن حسابٍ تتبعه يشاركك حب القراءة، تلك الصورة ، هي الدلالة التي تبحث عنها. شيئاً فشيئاً ، تلك النقط البعيدة عن بعضها تباعدَ النجوم في السماء للقراء العرب في كل مكان ، تواصلت. خطوط التواصل الاجتماعي خلقت من تلك النقاط المتناثرة ، التي مارست وحيدةً في الظل شغف القراءة ، مجتمعاً ثقافياً واحداً له اليوم السلطة الأكبر في الحراك الثقافي والكلمة العليا في التسويق التجاري للكتاب. والقارئة العربية ، ليبرالية كانت أم محافظة ، متحررة أم متدينة ، موظفة، طالبة، أم ربة بيت، كلهن قارئات فاعلات في تشجيع القراءة وارتفاع مبيعات الكتب. تحت صورة واحدة، تجتمع القارئة المغربية بالقارئة الكويتية بالقارئة الكردستانية بالقارئة الإماراتية بالقارئة العمانية بالقارئة العراقية بالقارئة الأردنية بالقارئة المصرية بالقارئة الفلسطينية بالقارئة البحرينية والقارئة السعودية وكل القارئات العربيات. لها أن تعرض اقتباسها المفضل ، لها أن تعبر عن رأيها حقيقةً في مضمون الكتاب وتضع تقييمها عليه بمقياس الخمس نجمات كما يحق لأي ناقدٍ في صفحة ثقافية. ولأن القراءة بفعل هذه الصورة تحولت من فعلٍ جامدٍ منعزل من خلف بابٍ مغلق إلى نشاط حيٍّ متفاعل مع المتابعين والمتابعات، تسارعت لدى المرأة العربية وتيرة القراءة. ما عادت تكتفي بقراءة مجموعة كتب بعدد أصابع اليد كل عام، بل دخلت في تحدي الخمسين كتاب والمئة كتاب، حتى أن عدداً كبيراً منهن دخل مؤخراً تحدي قراءة سبعة كتب في سبعة أيام.التحدي الأخير تضمن كتباً ذات حجم صغير أغلبها مجموعات قصصية، وبالطبع لن تجد الأخوة كارامازوف ضمن مجموعة تحدي السبعة أيام، حتى ديستوفسكي نفسه سيعجز عن انهائها في تلك الفترة! لكن حتماً كانت لتلك الرواية وجودها القوي ضمن التحدي الأول والثاني هذا العام. مما يؤكد أن وتيرة السرعة في القراءة ليست هي العامل الوحيد الذي أخذ بالتصاعد، بل حتى نوعية الكتب التي بدأت أغلبها بتنمية الذات ، لكونها الأسهل والأقرب والأكثر تشجيعاً للمرأة على ممارسة ما يسعدها، تصاعدت مستوياتها حتى وصلت لروايات الأدب العالمي والعربي - الكلاسيكي والمعاصر - وكتب الفكر و الدين والفلسفة.  

ومع غياب دور الناشر العربي في التسويق، غيابٌ أقرب ما يكون لغيبوبة ، أضحت منية أي كاتبٍ عربي ، المخضرم فيهم والجديد، أن يكون الكتاب الذي وضعته القارئة العربية التو على طاولتها إلى جانب قهوتها استعدادًا لالتقاط صورتها الصباحية، كتاباً يحمل اسمه على غلافه.
الصورة
قهوة وكتاب
هاشتاق
#نساءـأمةـاقرأـيقرأن 
بكل احتراف وجدية.



إيمان أسعد
alif_alyasmeen@ 

eman_assad@hotmail.com

تم نشر المقال في العدد الأول من سلسلة كتاب الخامس عشر الصادر في شهر يناير عام ٢٠١٦
insta: @our15th 

Wednesday, December 9, 2015




القيّمة على الذاكرة
التاريخ الشفهي للبيلاروسية الحائزة على جائزة نوبل للآداب
مجلة نيويوركر
أجرى اللقاء: جيسن ماشا






The Memory Keeper
The oral histories of Belarus’s new Nobel laureate 
The NewYorker
By: Masha Gessen




" رجاءً أحضري للسيدة الجالسة هنا كوباً من الشاي الأخضر، فقد نالت مؤخراً جائزة نوبل."
لدى سماعها الطلب أومأت النادلة باحترام مشيرةً إلى مجموعة الكتب المصفوفة على الطاولة لتؤكد معرفتها بصاحبة المناسبة.

كانت سفيتلانا أليكسيفيتش البالغة من العمر ٦٧ عاماً جالسةً على طاولة تضم عشر أشخاص من أصدقائها وعدد من الناشرين أمام مطعمٍ من مطاعم برلين. هي بالكاد يتجاوز طول قامتها خمس أقدام وجسدها ممتلئ بعض الشيء. شعرها القصير الذي يصل كتفيها مصبوغ بلون مائل إلى الإحمرار أغمق بدرجة من اللون البني الذي اعتدنا عليه. 

كانت قد قدمت التو من مؤتمرها الصحفي الذي عقدته بمناسبة استلامها جائزة نوبل للآداب حيث قضت معظم وقتها في الإجابة عن أسئلة الصحفيين فيما يخص سياسة روسيا وبيلاروسيا . وبسبب إغلاق الطرق نتيجة المظاهرات القائمة ضد اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية فقد اضطرت للمشي عدة قطع سكنية في أجواءٍ شديدة البرودة حتى تصل المطعم وتنضم لأصدقائها قبل أن أستهل لقائي معها.

*

لدى إعلان سارة داينوس السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية حصول أليكسيفيتش على جائزة نوبل ، عزت إليها الفضل في إنشاء نوعٍ أدبيٍّ جديد أسمته : "تاريخ العاطفة ، تاريخ الروح"

وجائزة نوبل للآداب لعام ٢٠١٥ هي الأولى من نوعها التي تمنح لكاتب لم يتعامل إلاّ مع أناسٍ حقيقيين في أعماله. فكتب أليكسيفيتش تتناول الأزمات التاريخية ( الحرب العالمية الثانية - الحرب السوفيتية في أفغانستان - كارثة المفاعل النووي في تشرنوبل وانهيار الاتحاد السوفيتي) وذلك من خلال أصوات أناسٍ عاديين عاشوا واقع تلك الأزمات. فالتاريخ الشفهي الذي نقرأه في كتبها هو مجرّدٌ من كل الإضافات اللغوية والدرامية ، ما نقرأه هي الحقيقة عارية تماماً تمتحن فيها أليكسيفيتش قدرة القارئ على احتمال الألم ومدى سرعة تقبله لتصديق الحقيقة التي هي أغرب من الخيال والماثلة بين يديه.

مؤلفات أليكسيفيتش هي مكتوبة باللغة الروسية وتم ترجمتها إلى عدة لغات ونشرها في مختلف أنحاء العالم ( مع ملاحظة أن أياً من أعمالها لم يتم حتى الآن ترجمتها إلى اللغة العربية ) ، لكن غالباً تم نشرها عبر دور نشر صغيرة . فمثلاً كتابها " أصوات من تشرنوبل " تم إصداره عن طريق دار نشر صغيرة غير ربحية:
Dalkey Archive Press

هي حصلت على عدة جوائز سابقاً ، لكن أهم جائزة حصلت عليها قبيل فوزها بجائزة نوبل هي جائزة:
The French Prix Medicis Essai
وهي تمنح للكتاب الذين لم ترتق شهرتهم العالمية بعد لمستوى كتابتهم وموهبتهم.

وتعد أليكسيفيتش الكاتبة الأولى التي تفوز بجائزة نوبل على كتب مبنية حصراً على المقابلات مما دعا بعض الصحف إلى مدح منظمي الجائزة للاعتراف بالصحفيين ككتّاب وهو ما رفضته أليكسيفيتش تماماً . فهي لا تعد نفسها صحفية " بل كاتبة تستعين بأدوات صحفية.”

*
في بداية كتابها " أصوات من تشرنوبل " والذي نشر في روسيا عام ١٩٩٧ ، تصف امرأة شابة حالها وهي ترقب زوجها رجل الأطفاء يموت ببطء جراء التسمم الإشعاعي.

" في المشرحة سألوني: أتودين رؤية الملابس التي سنكسو بها جثمان زوجك ؟ نعم بالتأكيد ! لقد ألبسوه زيه الرسمي كاملاً مع قبعة الإطفاء، لكن لم يتمكنوا من وضع فردتي حذائه لأن قدميه قد تورمتا. حتى زيه الرسمي اضطروا لقطع أجزاءٍ منه لأنهم عجزوا عن إدخال جسده كاملا به. لم يكن هناك من جسد ، بل كتلة من الجروح.

في اليومين الأخيرين لنا في المستشفى كنت أرفع ذراعه فإذا بالعظم يتدلى بعد أن ذاب عنه اللحم. كان يتقيأ قطعاً من رئتيه وكبده. وكلما كان يختنق بكتل اللحم الذائبة عن أعضائه الداخلية ، كنت ألف يدي بالضماد وأقحمها في فمه لأستخرج القطع من حلقه. 
من المستحيل أن أتكلم عن مشاعري تلك اللحظة.
من المستحيل أن أكتب عن مشاعري تلك اللحظة.
ومن المستحيل أن أتجاوز في حياتي تلك اللحظة.
كل قطع اللحم في كفي هي ملكي أنا . هي حبيبي أنا.

لا ، لم يعثروا على حذاءٍ يناسب قدميه المتورمتين ، فدفنوه حافياً.”

*

وُلدت أليكسيفيتش في أوكرانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بثلاثة أعوام ، وفي سن صغيرة انتقلت مع عائلتها ووالديها المدرسين إلى الريف في بيلاروسيا حيث عاشت العائلة حياة بسيطة بالكاد تفي باحتياجاتهم الأساسية.ولبيلاروسيا تاريخها المؤلم مع الحرب حيث أباد النازيون اليهود والغجر والسلوفاك حرقاً . قرى كاملة حرقتها نيران الحرب وساوتها بالتراب.  وأهم ما تذكره أليكسيفيتش عن طفولتها هو اجتماع نساء القرية في المساء وتبادل قصصهن عن تجاربهن في الحرب العالمية الثانية. ودائماً ما كنَّ النساء هن مصدر الحكايات لأن معظم الرجال قد قضوا نحبهم في الحرب، أما القلة الناجية فمعظهم يقضي يومه مخموراً.

لذلك حين بدأت أليكسيفيتش مشوارها الأدبي في الكتابة أول ما سعت إليه هو التخلص من وساطة المؤلف وصوته ومن كل الأطر الدرامية والزمنية التي يبنيها في عمله. هي سعت من خلال عملها أن تعيد تلك التجربة من طفولتها حين كانت تستمع للحكايات من أصوات أصحابها مباشرةً دون وسيط.

وحين بدأت تجمع مادتها الأولية لكتابها بحثت أليكسيفيتش عن نساء لهن ذات نوع التجارب التي سمعتها في طفولتها. وفي لقاءاتها مع مجموعة نساء انخرطن في الجيش زمن الحرب أكدت لهن :
 " لا أريد أن أعرف عدد القتلى الذين ماتوا على أيديكن ، ولا كيف قُتلوا على أيديكن. ما يهمني هو معرفة مشاعركن وعاطفتكن تجاه تلك التجربة."

وقد اكتشفت أليكسيفيتش أثناء تجربتها تلك أن التركيز على النساء في مقابلاتها كان قراراً حكيماً.
"فالنساء يحكين تجاربهن بأسلوب أكثر إثارة للاهتمام وبعاطفة أعمق ناتجة عن تواصلهن أكثر مع حقيقة مشاعرهن وحياتهن. أما الرجال فقصص الحرب بالنسبة لهم هي مثار فخر واعتزاز ، ويهمهم أكثر الحديث ضمن الإطار الزمني والسياسي لتجاربهم.”

*

الكتاب الذي صدر بناءً على تلك المقابلات يحمل عنوان " الحرب ليس لها وجه امرأة " والذي نشر عام ١٩٨٤. والكتاب عبارة عن مونولوجات للنسوة اللاتي قابلتهن وذكرياتهن عن الأوضاع الدموية والمأساوية التي شهدنها شخصياً أيام الحرب.

وفي عملها اللاحق لعملها الأول ، ارتكزت مقابلاتها على من ينتمي للجيل الذي عاش طفولته إبان الحرب العالمية الثانية ، والذي حمل عنوان " آخر الشهود " وبسبب اعتماد السياسة السوفيتية على البرباغندا وتمجيد الحرب ، فقد اكتسبت أعمال أليكسيفيتش والنوع الأدبي الذي اعتمدت فيه على الذاكرة الشخصية للأجيال أهمية كبرى وتحدياً للإعلام السوفيتي.

*

" أولاد الزنك " هو كتابها الذي اعتمد على أصوات الجنود السوفييت الذين شاركوا في حرب افغانستان ، واعتمد كذلك على أصوات أمهاتهم وأراملهم. نشر الكتاب عام ١٩٨٩ في ذات السنة التي انسحب فيها الجيش السوفيتي من أفغانستان . واستوحت أليكسيفيتش عنوان الكتاب من حقيقة مؤلمة وهي إرسال الجيش السوفيتي لجثامين جنوده إلى وطنهم وأهلهم في توابيت مصنوعة من الزنك والصفيح دون أي اعترافٍ رسمي بهم أو احتفاءٍ يليق بهم.
وقد حطّمت أليكسيفيتش بكتابها أسطورة الجيش السوفيتي العظيم. فالجنود في كتابها هم شبابٌ  خائفون ، مرتبكون ، فقراء ومذلون.

" كانت تلك هي المرة الأولى التي أعاصرُ فيها حرباً ، وقد ارتعبت مما شهدته. قصص كل هؤلاء الأموات ، الجندي الذي يقتل إنساناً آخر لينتقل بعدها مباشرة إلى شرب الفودكا والضحك والبيع والإقراض. كانت تلك هي المرحلة السوفيتية بكل ما حملته من فقر وحرمان لهؤلاء الشباب، ولأنهم رغبوا في إهداء أمهاتهم هدايا يحضرونها معهم من ساحة المعركة فقد اضطروا لبيع رصاصات أسلحتهم لتأمين ثمن مشترياتهم ، وتلك الرصاصات ذاتها هي التي أودت بحياتهم تالي نهار على يد أعدائهم.”

*

مع بداية عملها عام ١٩٨٠، أدركت أليكسيفيتش أن تدوين مقابلاتها باليد هو عملٌ غير مجد. فقد كان من الضروري لها أن تحفظ كل كلمة ينطقها الشخص الذي تقابله، ليس هذا فحسب ، بل حتى الفواصل الصامتة بين الكلمات كانت تحمل ذات الأهمية لها.

" حين يتحدث الشخص من الضروري أن تلتفت إلى ترتيب الكلمات في كل جملة يقولها ، فحتى الترتيب يكمن وراؤه معنى."

في تلك الأيام كان سعر مسجلة الصوت خمسمئة روبل أي ما يعادل راتب ثلاثة أشهر. فما كان من أليكسيفيتش إلا أن اقترضت المبلغ من أساتذتها وزملائها الكُتّاب. وبالفعل اشترت المسجلة ومنذ ذاك الوقت هي تتبع الأسلوب ذاته في عملها.

هي أولاً تسجل المقابلة ثم تفرغ محتوى الأشرطة. النص الذي تكتبه تقرؤه عالياً لنفسها لتتأكد من مطابقته لما سمعته. كل كتابٍ أصدرته استغرق منها خمس إلى عشر سنوات ، والمقابلات للكتاب الواحد تصل في معدلها من ٣٠٠ إلى ٥٠٠ مقابلة. ومن تلك المقابلات تختار من عشرة إلى عشرين شخصاً تعتبرهم "أعمدة" كتابها والواحد فيهم تقابله ما لايقل عن عشرين مرة.

. "كأنك ترسم لوحةً شخصية، تعاود زيارة موضوع لوحتك مراراً وتكراراً وفي كل مرة وبضربةٍ صغيرة من فرشاتك تضف تفصيلاً جديداً .”

*

تعتبر أليكسيفيتش عملها " أصوات من تشرنوبل " من أسهل أعمالها التي كتبتها لأن الحدث لم يسبق له أن وقع من قبل " ولهذا السبب لم يعرف الناس بعد كيف تتعامل معه وتخفي مشاعرها اتجاهه، وكذلك إعلام البروباغندا لم يعرف كيف يخفيه." 

هي بدأت العمل على الكتاب مباشرةً بعد وقوع كارثة المفاعل النووي عام ١٩٨٦ ولذلك فالأحاسيس والعواطف التي سجلتها كانت حقيقية تماماً وعارية عن أي تزييف. " أدركتُ حينها أنّ عليّ أن أسابق التاريخ في تسجيل حقيقة الوضع قبل أن يتم الالتفاف عليه، لهذا ما همّني الإطار السياسي للكارثة ، بل سعيتُ نحو تدوين تلك اللحظة المؤلمة من الزمن وذاكرة الإنسان الذي عاشها."

وكما حرصت أليكسيفيتش على حفظ الحقيقة ، هي كذلك حرصت على الحفاظ على خصوصية الأشخاص الذين قابلتهم. إحدى السيدات التي التقت بهن في كتابها أصوات من تشرنوبل حين رأت أن اسماً مستعاراً استخدم في عرض قصتها ، اتصلت بها وطالبتها بالإعلان عن إسمها الحقيقي " لقد عانيتُ أنا وزوجي بما فيه الكفاية، ونستحق أن تذكر الحقيقة كاملةً ومن ضمنها أسماؤنا الحقيقية." لكن أليكسيفيتش لم تستجب لطلبها هي والعديد من الأشخاص الذين شاركوا تلك المرأة رغبتهم في الإعلان عن أسمائهم. " ما كنتُ أبداً لأسمح لهم بالتعرض للخطر، فالجماهير تقبل العمل الفني ، لكنها تمزق الأفراد وراء العمل الفني.”
*

لا تزال أليكسيفيتش تتواصل مع عدد كبير من الأشخاص الذين قابلتهم ، وحتى يومنا هذا ، في كل مرة تتواصل فيها مع واحدٍ منهم تعرف عنه قصة جديدة تنسف معرفتها السابقة بالوضع. لهذا السبب فهي حريصة على إضافة تلك التفاصيل الجديدة مع كل طبعة جديدة تصدر عن أعمالها. فكما تقول هي:

" في النهاية ما هو الإنسان؟ معرفتكَ به تعتمدُ على مزاجه ، على هوية أصدقائه ، على الكتب التي قرأها ، على اختيارك للوقت الذي زرته به سواء كان صباحاً أم مساءً. كل عامل من تلك العوامل يلعبُ دوراً كبيراً في الاتجاه الذي تسير عليه المقابلة. وأنا مدركة أننا لن نعرف أبداً  الحقيقة كما هي لكن لكَ أن تعرفَ أساسها. وبالنسبة للحقيقة التي رأيتها في الأشخاص الذين قابلتهم فأساسُها الألم. الواحدُ فيهم يقول لي: لقد حمّلتكِ ألمي. لقد نقلت إليك ألمي. المقابلة بالنسبة لهم ما هي إلا المنفذ والخلاص الذي لهم أن يتخلصوا معه من ثقل آلامهم التي يحملونها.”

*

في نهاية اللقاء تختم أليكسيفيتش حديثها باختياراتها كقارئة. فهي لم تعد تطيق قراءة الروايات ، حتى تلك التي أحبتها سابقاً في شبابها لتولستوي. فقصص الناس التي سمعتها وسجلتها تتجاوز كل حدود الخيال والعاطفة التي لن تصل إليها أي رواية. لذلك فهي حصرت قائمة الكتب التي تقرأها بالكتب غير الروائية. 

أما ما يخص عملها ككاتبة فهي تؤكد أنَّ كل ما يحتاجه الكاتب لإنجاز عمله هما أمران لا ثالثَ لهما: 
الوقت والعزلة.
وهنا ختمت لقاءنا بالجملة الأخيرة:

"وقد حان الوقت لأعاود العمل.”

*





هذا المقال هو تلخيص للمقال الأصلي الذي نشرته مجلة نيويوركر في عددها الصادر في السادس والعشرين من أكتوبر عام ٢٠١٥.

وللاطلاع على المقال كاملاً باللغة الانجليزية على موقع مجلة نيويوركر الضغط على الرابط التالي:


http://www.newyorker.com/magazine/2015/10/26/the-memory-keeper

Wednesday, July 22, 2015

جى دي سالنجر : مقاطع مختارة من روايته القصيرة سيمور



J.D. Salinger

Seymour
An Introduction 



جى دي سالنجر
سيمور
- مقدمة -


جى دي سالنجر كاتبٌ وروائيٌ أمريكي ذاع صيته عالمياً بعد نشر روايته: الحارس في حقل الشوفان عام ١٩٥١.
وقبل نجاحه العالمي كصاحب رواية من ضمن أهم روايات القرن العشرين، بدأ سالنجر مشواره الأدبي عام ١٩٤٨بنشر قصة قصيرة على صفحات مجلة نيويوركر بعنوان:
 " يوم مثالي لسمك الموز" .
A Perfect Day For Bananafish

 وتدور أحداث القصة حول شاب أمريكي يدعى سيمور ، ويبلغ من العمر ٣١ عاماً ، ذهب بصحبة زوجته إلى فلوريدا لقضاء إجازةٍ قصيرة . وبعد قضاء سيمور وقتاً بدا ممتعاً مع طفلةٍ صغيرة على شاطئ البحر ، يتوجّه إلى غرفته في الفندق، يتناول المسدس من حقيبة سفره ، يجلس إلى جانب زوجته النائمة على الفراش ثم يطلق النار على رأسه. 
على مدار سنوات من بعد نشر قصته الأولى، ينشر سالنجر قصصاً قصيرة أخرى في مجلة نيويوركر عن عائلة سيمور - عائلة غلاس -:  عن طفولته ، مراهقته ، إخوته وقصة زواجه. وسيتعرّف القارئ مع كل قصة أكثر وأكثر على شخصية الشاعر سيمور: على روحانيته ، على شفافية مشاعره ، على عاطفته القوية تجاه الناس وحساسيته المفرطة تجاه ما يجري من حوله، عدا طبعاً غرابة أطواره الناتجة عن رؤيته الفلسفية والشاعرية للعالم. 

العمل الذي ترجمنا مقاطعَ مختارة منه نُشر عام ١٩٦٣ وهو بعنوان : سيمور - مقدمة - والقصة هي على لسان الأخ الأصغر لسيمور : الروائي بادي غلاس الذي يضع نصب عينيه مشاركة صديقه الوحيد ( القارئ ) كل ما يعرفه عن أخيه الشاعر سيمور بعد سنواتٍ من انتحاره. 

العمل يجمع بين بصيرةٍ عميقة لعالم الكتابة وحس سخرية لاذع تتميز بها أعمال جى دي سالنجر، وأتمنى لجميع أصدقائي الأعزاء الاستمتاع بقراءة المقاطع التي اخترت ترجمتها ، و سلسلة القصص القصيرة  بأكملها هي عمل أدبي يستحق فعلاً القراءة.
  
❤📖🌊

زلّة قلم




إِنْ زلّت قلمُ الكاتبِ يوماً ، وأضحى الخطأ المطبعي وجوداً واعياً بحدّ ذاته، فربّما تلك الزلّة لم تكن زلّة على الإطلاق. بل وجوداً لا يتجزّأ عن النص. 

وبما أنّ الزلّة أضحت واعية لوجودها فهي الآن ستثور ضد كاتبها، ستثور من باب كراهيتها له لمحاولته حذفها و تصحيحها. وستصيح تلك الزلة في وجه كاتبها:

" لا ، لن أسمح لك بمسحي ، سأبقى هنا على هذه الصفحة شاهدةً عليك

شاهدةً على كونك كاتباً ضعيفاً

ضعيفاً جداً."

😺🌸 📖



الكاتب السعيد



الكاتب السعيد هو أكثر أنواع الكُتّاب إجهاداً لعاطفة القارئ ، ولكلِّ من يحيطُ به حينها. 
طبعاً يبقى الشاعر هو الأصعب في التعامل حالَ سعادتِه ، لكن حتى الروائي يعاني ما يعاني كُلَّمَا أصابته نوبة سعادة.

ورغم ظنِّي أن الكاتب السعيد يملكُ إنجازَ الكثير على الصفحة ، وربما أفضلَ أعماله على الإطلاق. لكنّ الحقيقة - الحقيقة المُرّة - هي أنّ الكاتب السعيد يفتقدُ أسلوبه كلّ اتزان واعتدالٍ وبلاغة. 
صدّقني عزيزي القارئ : لن تجدَ للكاتب السعيد فقرةً واحدة قصيرة!

فأمامَ تلك الموجة الهائلة من السعادة التي غمرته لن يتمكّن الكاتب من فصل نفسه عمّا يكتب، وإذا ما قرأتَ عملاً لكاتبٍ سعيد فستجده هناك عزيزي القارئ جالساً على السّياج المنصوب على الهوامش يتأمّل كل ما كَتَب.

والأسوأ ، أنَّ الكاتب السعيد حينها لن يعود مهتماً بأهمّ احتياجٍ لديك:

أن يمضيَ بأحداث قصته الملعونة عوضاً عن جلوسه هكذا على السياج.



😺🌸 

عاشقٌ للطيور 




بكلّ صراحة ، وأحياناً كثيرة ، خصوصاً وأنّي بلغتُ من العمر الأربعين ، أجد أن الصداقة الوحيدة التي تمكنت من الحفاظ عليها هي معك - نعم معكَ أنت أَيُّهَا القارئ.
وقد نصحني شخصٌ قبلي عاش حياة الكاتب بحلوها ومُرّها أنّ من مسؤولية الكاتب الحفاظ على العلاقة مع القارئ من التدهور وذلك بصيانتها وتلبية احتياجاتها دوريّاً.

والسؤال الذي يطرح نفسه منطقياً هو:
كيف لي ككاتب أن أحافظَ على علاقتي معك أيها القارئ وأنا أجهلُ عنك كلّ شيء ، بينما أنت تعرف عني كل شيء!

وبعد كل تلك السنوات ككاتب تعلمت أخيراً أنّ هناك أمراً واحداً يتوجب عليّ معرفته عنك - رغم أنك ستقفز عن كرسيّك وتنكر بشدة صحة ما أعرفه عنك - وهي أنك عزيزي القارئ " عاشقٌ عظيمٌ للطيور ".

أنت شخصٌ مهتمٌ باقتناء الطيور النادرة وحبسها في قفص ووضعها في بيتك لأنها تثيرُ مخيّلَتك، لأنها من بين كل المخلوقات على وجه الأرض هي الوحيدة التي تذهلك بصفاء أرواحها.


❤📖

لا تفرض الرقابة على حسِّكَ الفكاهي




الفقرة أدناه هي على لسان سيمور حين سهر طوال الليل يكتب رسالة طويلة لأخيه بادي النائم على السرير الآخر في ذات الغرفة ليعلمه برأيه بعد قراءة مسودة قصة من قصصه. 

طوال النصف الأول من القصة يقف الطبيب في العراء متجمداً من البرد في انتظار محبّتك، كونه الشخصية الرئيسية في قصتك. فَلَو كنت فعلاً تحبه لما حرمته من حريته في اللّعن والسباب في حواراته مع ممرضته، لما حوّلت جُملَ حواره إلى عباراتٍ لطيفة منتقاةٍ بعناية.

 لم فرضتَ الرقابة على ذاتك؟!  أكنت تخشى فعلاً على شخصيتك الرئيسية من عقوبة الحرق في الجحيم إن هي لعنت؟


وأرجوك .. أرجوك تصالح مع واقع أنك ككاتب تملك حسّاً عالياً من الفكاهة. ان تخليّت عن الفكاهة فقط لأنك ككاتب لا تؤمن بجدواها وقيمتها أدبياً فهو قرارٌ مماثلٌ بسوئه قرارَ الكاتب التخلي عن الأسماء والصفات والأفعال لأنّ أستاذه الجامعي طلب منه ذلك.

فما الذي يعرفه أستاذ الجامعة عن الكتابة؟ ما الذي يفقهه أصلاً عن حس الفكاهة؟

ما قرأته التو لك هي قصة رائعة بمعايير أستاذك، لكنها ليست قصتك. بمجرد أن أخْبَرَك أستاذك أن قصتك هذه هي خطوة في الاتجاه الصحيح وجبَ عليك أن تقلق. 

لا تغضب مما قلته التو، لكنني مجرد قارئ، والسؤال هو: هل أنت كاتب؟ أم مجرد كاتب يكتب قصصاً رائعة بمعايير أستاذه؟

اعْلَم هذا عزيزي الكاتب ، أنا أمانع وبكل قوة قراءة قصةٍ رائعة لك بمعايير أستاذك.

أنا قارئ

وما أريده هو قراءة قصتك أنت.
والاستماع للسب واللعن على لسان شخصياتك !


( الصورة أعلاه هي لغلاف مجلة نيويوركر عام ١٩٤٨ والتي نشرضمن عددها قصة " يوم مثالي لسمك الموز " )

✒  ✒

الكتابة ليست مهنة .. الكتابة ديانة



ما يلي هي تتمة لرسالة سيمور إلى أخيه بادي التي أشرنا إليها في المقطع السابق.



أَتَذْكُر حين ذهبنا أنا وأنت للالتحاق بالجيش.. أتذكر حين ضحكت وأنا أراك تعبئ استمارة الالتحاق لكني رفضت حينها أن أخبرك بالسبب رغم إلحاحك عليّ لأيّام . 

ها أنا سأخبرك الآن.

في خانة المهنة أنت سجلت : كاتب !

لم أصدق ما رأته عيناي! فمنذ متى كانت الكتابة مهنة .. ألا تدري أنها ديانة.

وإن كانت الكتابة هي ديانتك أتدري ما الذي ستُسْأَل عنه لحظة وفاتك؟

لكن دعني أولاً أعلمك بالأسئلة التي لن يسألكَ ايّاها أحد على الجانب الآخر لدى وفاتك:

هل كتبتَ عملاً رائعاً ومؤثراً احتل قوائم الكتب الأكثر مبيعاً؟

هل كانت قصتك قصيرة، طويلة ، حزينة ، سعيدة ، منشورة وغير منشورة؟

هل كنت في حالٍ جيدة أم سيئة لدى كتابتك القصة؟

هل القصة التي تركتها وراءك هي أهم قصة في حياتك؟ أم أن الوقت لم يسعفك لكتابتها؟

لا عزيزي الكاتب

السؤالان الوحيدان اللذان ستضطرّ للإجابة عليهما لدى وفاتك وستحاسب فيهما على إجابتك هما:

هل كتبتَ من صميمِ قلبك؟

هل أطلقتَ العنانَ لكلِّ النجوم في ملكوتِ خيالِك؟

❤📖


جاذبيّة الشاعر المنتحر




يبدو لي أنَّ فئةً كبيرةً من الناس ، حول العالم كله ، أيّاً كانت أعمارهم ، ثقافتهم ، طباعهم ، فهم يتجاوبون بذات الإحساس القوي وبذات الدافع تجاه الكُتّاب والفنانين الذين أنتجوا أعمالاً رائعة. لكن بذات الوقت ، وعلى المستوى الشخصي ، كلٌّ منهم ارتبط اسمه بعلةٍ أخلاقيةٍ فاضحة. 

قد تكون عِلّة سلوكية ، خيانة وطنية ، غراميّات مشبوهة ، إدمان ، نرجسية عالية ، خيانة زوجية ، صممٌ كالحجر ، عمىً كالحجر ، عطشٌ لا يُرْوى ، سعلةٌ أبديّةٌ مزعجة ، ضعفٌ خاصٌ تجاه العاهرات ، رغباتٌ مُحرّمة تجاه القريبات ، إدمانٌ بوصفةٍ طبية أو بدونها على الأفيون والمسكنات.

وبالطبع يتسيّد عرش تلك القائمة من العلل المثيرة لانتباه القراء: الانتحار.

فدائماً ما نرى أنّ الشاعر المنتحر هو من ينال القسط الأكبر من اهتمام القارئ والناشر. لا من باب التعاطف ضرورةً ، بقدر ما هو من باب التطفل على أوراق الشاعر الذي عاش حياته أرنباً منبوذاً من الجميع ثم قرر يوماً الانتحار. 

✒ ✒




عينا الشاعر




أليسَ للشاعر - الشاعر الحقيقي أعني - عينان تخترقان حواجز الزمن فترى ما هو آت؟ أليس الشاعر بالمبصر الوحيد على وجه الأرض؟ 

فبالتأكيد لا يمتلك رجل العلم تَيْنَيك العينين ، وبلا أدنى شك لا يمتلكهما عالمُ النفس ( ما عدا بالطبع الشاعر الوحيد بين علماء النفس ألا وهو فرويد. فأيّ عاقلٍ فينا له أن ينكر أن عمل فرويد ما هو إلا ملحمة شعرية) .

فإن كان الشاعر مبصراً فما هو العضو في جسده  الذي يتلقى القدر الأكبر من التعذيب:
بالطبع عيناه.

لا تصدق تقرير الطبيب الشرعي أن سبب وفاة الشاعر هي طلقة في الرأس بداعي الانتحار. لا عزيزي القارئ - إن كنتَ لا تزال هنا معي ولم ترمِ بي بعد عن حِجْرك - فإني أرجوك .. أرجوك عُد إلى ما كتبته بدايةً عن زلّة القلم. ألا تبدو حقيقة الأمر جليةً لك؟ ألم تسمع عينا الكاتب تصرخان ألماً في مواجهة ثورة الخطأ المطبعي؟!

دع عنك الطبيب الشرعي واستمع إليّ ، أنا من سيخبرك بحقيقة الأمر . المبدع الحقيقي ، الشاعر المبصر ، ما هو إلاّ مجنونٌ سماويٌ يخلق من كلماته جمالاً لا مثيل له. لكن لأنه مجنون سيسمح للشكوك التي تراوده بشأن كل ما يكتب تسيطر عليه، سيسمح لضميره الإنساني أن يعميَ بصيرته بكل أشكال وألوان الذنب. 

وهكذا .. سرعان ما يضلّ الشاعر طريقه ويهوي مسرعاً نحو الموت
 بطلقةٍ في رأسه.




ومع المقطع السابق نختم ملخصنا الأسبوعي. وبالنسبة لي فإن ترجمة تلك الفقرات هي من أكثر المرات التي استمتعت بها بالترجمة على المستوى الشخصي.
 وإذا أردت عزيزي القارئ الاطلاع على أعمال سالنجر فإني أنصح بقراءتها باللغة الانجليزية للاستمتاع أكثر بأسلوبه وصوته المميز في الكتابة والذي غالباً ما يضيع بالترجمة.




Tuesday, July 21, 2015

موسى : قصة قصيرة بقلم الروائي الجزائري كامل داود



Musa

written by: Kamel Daoud

The New Yorker
April 6th 2015



موسى
قصة قصيرة بقلم الكاتب الجزائري
كامل داود

مجلة نيويوركر
 السادس من إبريل عام ٢٠١٥




الملخص لهذا الأسبوع يحمل الطابع الأدبي. فهو عبارة عن عرض مقاطعَ مُختارة ترجمناها عن القصة القصيرة " موسى " للروائي الجزائري كامل داود والمنشورة  في مجلة نيويوركر

 والقصة القصيرة هي صورة مصغرة عن روايته الأولى " مورسو: التحقيق المضاد" والتي نال عنها جائزة غونكور الفرنسية للرواية الأولى.  تلخيصنا لهذا الأسبوع سيلقي الضوء على مقاطع من القصة القصيرة لمنح القارئ فكرة عن طبيعة الرواية والتي صدرت بنسختها الانجليزية شهر يونيو عام ٢٠١٥ ، بعد صدور نسختها الفرنسية العام الماضي




والقصة هي مستوحاة من رواية " الغريب" لألبير كامو الصادرة عام ١٩٤٢ والتي تدور أحداثها عام ١٩٤٢ في الجزائر. شخصية رواية الغريب الرئيسية هي لمستوطنٍ فرنسيٍّ في الجزائر زمن الاستعمار يُدعى مورسو وجريمة قتله لشاب عربي على شاطئ البحر. منذ وقوع جريمة القتل وخلال التحقيق ومن بعدها المحاكمة تبقى شخصية القتيل العربي مجهولة لا إسم لها حتى. الجميع سواء مورسو أو الشخصيات الأخرى وأركان النظام القضائي تشير للقتيل بصفة العربي. القارئ لن يعرف أي معلومة عنه سوى أنها ضحية عربية مجهولة.

ومن هذه الفكرة تنطلق رواية كامل داوود " مورسو : التحقيق المضاد" والتي ترتكز أحداثها على عائلة الشاب العربي المقتول " موسى " والمكونة من أمه وأخيه الأصغر، والراوي في القصة هو الأخ الأصغر لموسى الذي يحمل على عاتقه حِمْل الإدلاء بشهادته عمّا يعرفه عن أخيه المقتول.




موسى -١-

موسى كان أخي الأكبر. قامَتُهُ الطويلة بَدَت لي كأنها تصِلُ برأسه إلى مناطحة الغيوم في عنان السماء. جسدُه كان نحيلاً بفعل الجوع ، والغضب الذي يتآكله بفعل الجوع.

 زوايا وجهه كانت حادة ،
 يداه الكبيرتان كانتا تحميانني.

 أمّا عيناه الثاقبتان فكانتا قاسيتين، 
وكيف لا ، فأجدادنا قد خسروا أرضنا للأعداء.

في ذاكرتي لا أملك له سوى صورٍ قليلة، لكن دعني أصف لك تلك الصور بوضوحٍ وتأنٍ.


موسى -٢-

على سبيل المثال ، دعني أصف لك ذاك اليوم الذي جاء فيه أخي باكراً من السوق ، أو ربما من الميناء حيث كان يعمل عتّالاً: يسحب ، يشد ، يرفع ، ويعرق. دَعْ عنكَ ما كان يصنع أخي في ذاك اليوم حين جاء ووجدني ألهو بإطارٍ قديم. حينها رفعني عن الأرض ووضعني على كتفيه ثم أمرني أن أمسك أذنيه كأنَّما رأسه هي عجلة قيادة.

أذكر جيداً شعور الفرح الذي غمرني حينَ أخذ يدفع بإطار العجلة القديم ويصدر صوتاً شبيهاً بالموتور. رائحته حينها لا تزال تغمرني: مزيجٌ قوي من رائحة الخضار العفنة، ومن رائحة عرقه وأنفاسه. 

شيءٌ آخر أذكره جيداً عن أخي، وهي قدرته على الثبات دون حركة واقفاً على عتبة بيتنا مقابل جدار منزل جيراننا : السيجارة في يد ، وفنجان القهوة السوداء الذي أعدته له ماما في يد. 


موسى -٣- 

صورةٌ أخرى له في ذاكرتي وقعت أحداثها صبيحة يوم العيد. 
كان موسى قد عاقبني ليلتها على أمرٍ غبي فعلته، واستيقظنا وكلانا محرجٌ من الآخر. كان المفترض بيوم العيد أن يكون يومَ مغفرة، وكان من الواجب عليه أن يُقَبّلني. لكنني لم أرغب بإحراجه كي يعتذرَ مني، حتى وإن كانت تلك القبلة هي من باب طاعة الله.

حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام أظن أنَّ أخي أحبّنا كما الأموات يحبّون. لا كلمة واحدة زائدة عن الحاجة، وبنظرة تنبئكَ أنّ الروحَ التي تنظرُ إليك هي من عالم الغيب لا من عالمنا.




موسى -٤-

أبانا كان قد اختفى قبل فترةٍ طويلة، ولا وجودَ له سوى في شذرات الإشاعات التي يطلقها الناس عن التقائهم به صدفةً في فرنسا. وحده فقط أخي موسى كان يسمع صوت والدي. كان والدي يزوره في الحلم ليلقيَ عليه أوامره. وتالي صباح يلقي علينا موسى باسم والدي كل تلك الأوامر التي سمعها منه.

كان أخي قد رأى والدنا مرّةً واحدة بعد اختفائه ، كانت المسافة بينهما شاسعة إلى درجة أنه لم يكن متأكداً تماماً أنّ من رَآه هو فعلاً والدي.

موسى -٥- 

كطفل تعلمت جيداً كيف أُميِّز الأيام التي تكثر فيها الإشاعات عن والدي تلكْ عن سِواها. متى ما سمع موسى حديث الناس عن والدي، دخل البيت بعصبيةٍ حامية وعينانِ تقدحان شرراً، ليبدأ بعدها تهامسه مع ماما الذي سرعان ما ينقلب إلى نقاشٍ حاد وبأصواتٍ عالية. لم يشملني أحدهما يوماً في دائرة نقاشهما عن والدي، لكن كان من الواضح لي لبّ النقاش: لسببٍ غامض كان أخي حاقداً على ماما، ولسبب أكثر غموضاً ماما دائماً ما كانت تدافع عن نفسها أمامه. 

تلكَ كانت أياماً وليالٍ مقلقة، كلّها مفعمةٌ بالغضب. أخشى ما كنتُ أخشى حينها أن يهجرنا أخي كما فعل والدي. لكنه دائماً ما كان يعود إلينا ساعة الفجر مخموراً، فخوراً بعصيانه مستعرضاً عزّته التي استعادها. ومتى ما صحى من سِكْرته تختفي تلك المشاعر ويلقي بنفسه على الفراش لينام. حينها يكون أخي قد عاد تحت سيطرة أمي مرةً أخرى.

موسى -٦-

كل الصور التي أملكها عن أخي في ذاكرتي .. لي أن أعرضها عليك: فنجانُ قهوتِه، عقبُ سيجارتِه، خفي نعليه. نحيبُ أمي على أخي ثم خروجها فجأةً من تلك الحالة متى ما طرقت إحدى الجارات بابنا لتستعيرَ شاياً أو بهارات، فتمنحها ماما ما تريد مع ابتسامةٍ على وجهها.

تأرجُحُها بين ثقل المِحنة التي نعيشها وحُسنِ الضيافة التي تبديها دفعني رغم عمري الصغير للشكّ في مصداقية مشاعرها. 

موسى كان محورَ حياتنا، ووالدي كان محورَ حياة موسى. عن والدي لا أملكُ أن أفيدكَ بِشيءٍ عنه، فأنا لا أذكره أبداً،  ولم يخلِّف لي وراءه سوى اسم العائلة.

موسى -٧-

أتدري ما اللقب الذي اعتاد الناس أن ينادوننا به؟ ولاد العساس ( أبناء الحارس).  فأبي كان يعمل مراقباً ليلياً في مصنع أجهل تماماً ما كان ينتج. في ليلةٍ ما اختفى وهكذا كان. قصة اختفائه وقعت في الثلاثينيات مباشرةً بعد مولدي.

لهذا أرى موسى ربّي، كما لو كنتُ سأرى أبي لو ظلّ موجوداً. ربٌّ لا يحادثني سوى بكلماتٍ قليلة. لحيته الكثيفة وذراعاه القويتان جعلتاه يبدو لي كعملاقٍ قادرٍ على دكّ عنق أي جنديٍّ من جنود جيش فرعون.

لهذا السبب .. لهذا السبب وفي اليوم الذي علمنا فيه بموته والظروف التي أحاطت بمقتله لم أشعر للوهلة الأولى بالحزن والغضب. بل شعرت بخيبة الأمل وبالإهانة. كأنَّ من قتل أخي وجّه لي أنا إهانةً مباشرة. 

أخي كان قادراً على شقّ البحر، ورغم ذلك مات بظروفٍ جدّ عادية ، كما يموت أي شخصٍ  لا قيمةَ له في هذه الدنيا، على شاطئٍ لم يعد موجوداً، على جانبه أمواج البحر تدنو وتبتعد ، البحر الذي كان من المفترض أن يجعل من أخي إنساناً مشهوراً للأبد. 

موسى -٨-

أُمّي اليوم تقدّم بها العمر، تقدّم بها لدرجة أني أرى في ملامحها وجه جدتي، أو بالأحرى وجه جدتها، أو حتى جدّة جدتها. 


هناك لحظة من العمر حين نصل إليها يمنحنا الزمن تقاسيم كلّ أجدادنا، كأنما كل واحدٍ فيهم قد عاد ليُبْعث في ملامح وجهنا. وربما هذا هو ما عليه  العالم الآخر.. ممرٌ طويل لا نهايةَ له، يقف فيه صفٌّ من الأجداد ، الواحد تلو الآخر، رؤوسهم متجهة نحو الحيّ من ذريتهم ينتظرون قدومَه إليهم بصمت. لا كلمة تصدر عنهم ولا حركة. عيونهم تترقب بصمت تاريخ يوم انضمامك إليهم. 

موسى -٩- 

بعد مقتل أخي موسى ، وبينما كنا لا نزال نعيش في الجزائر ، حوّلت أمي غضبها إلى حدادٍ طويل الأمد كسبت به تعاطفَ كلَّ جاراتها. كما منحتها مشروعية الخروج إلى الشارع والاختلاط بالرجال والعمل في بيوت الغرباء دون خطرِ التعرض لأحكام الآخرين وأقاويلهم. فأنوثَتُها قد ماتت ومعها ماتت رغبة الرجال فيها وشكوكهم. كنت لا أراها معظم يومي، وأحياناً تمر عليّ الأيام في انتظارها بينما هي تجوب المدينة تُجْري تحقيقها الخاص في جريمة قتل أخي موسى. تسأل كل من عرف أخي، كل من تعرّف عليه أو صادف مروره به في ذاك العام ، عام ١٩٤٢.

بعض جاراتنا تولّيْنَ إطعامي. وأظهرَ لي أطفال الحي الاحترام الذي تمنحه للمريض والمنكسر. لم أمانع حينها صفتي بين أبناء الحي " أخ المقتول". لم أبدأ أعاني من تلك الصفة إلاّ حين بدأت أكبر، حين تعلّمتُ القراءة وأدركتُ المصير الغير منصف الذي تعرض له أخي

أخي الذي قُتِلَ في كتاب.


الختام

أرجو أن تكونوا قد استمتعتم بتلخيصنا لهذا الأسبوع أصدقائي الأعزاء ، وأختم تلخيصنا مع مقطع من مقابلة الروائي الجزائري كامل داود مع مجلة نيويوركر بمناسبة نشر قصته القصيرة على صفحاتها: 




"أنا أعشق الكتابة. أعشق العثور على العبارة المناسبة، والبحث عميقاً خلف كل المظاهر. موسيقى الكلمات هي أنشودة اللغة والحياة. الاستعارة هي هديةٌ من الإله.

 أنا سأكتب، أنا أكتب ، وسأظل دائماً أكتب: الكتابة هي مهنتي وشغفي ، وسأدافع عنها ما حييت.
هي الدليل الدامغ والممارسة الأكيدة لما أعتبره صورةً من صور الحظ: حرّيتي.
لي حقٌ في الحرية لأنني حيّ، 
ولإنّ يوماً ما سأموت.
لهذا.. أنا أكتب."

الروائي الجزائري كامل داود.

وللاطلاع على القصة القصيرة كاملةً باللغة الانجليزية كما نشرتها مجلة نيويوركر على موقعها الالكتروني يرجى الضغط على الرابط التالي: